الأسس المنهجية في تفسير النص القرآني - الحجار، عدي - الصفحة ٥٠ - توطئة
وبين كل تلك الأمور مرّ تفسير القرآن الكريم خلال هذه الظروف باتجاهات مختلفة بعد أن كان في الصدر الأول وما بعده لمدّة من الزمن مقتصراً على المنقول منه بوساطة الصحابة, إلا أن المنقول حاله حال الحديث من حيث تعدد الطبقات سواء أكان ذلك التفسير مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أم موقوفاً على أحد الصحابة, وهنا يمكن الإفادة مما أسس للحديث من ضوابط, ومن ناحية أخرى قد يتطرق التفسير إلى أمور عقائدية فيلتجأ في ذلك إلى ما تبناه علم الكلام, وقد يتعارض تفسيران أو أكثر من حيث دلالة الخطاب الإلهي, فيلتجأ على ما ضمته اللغة من مفردات علومها, إما في ما يتعلق بالأحكام أو القصص والأخبار, فيمكن معالجته بما يفاد من علم أصول الفقه.
فبقي المفسرون يتكئون في ما يحتاجونه لبياناتهم التفسيرية على ما انتجته هذه العلوم من أسس وضوابط كلية قابلة للتطبيق لدى القيام بالعملية التفسيرية, ولذلك يلاحظ المتتبع لطريقة التفسير عند القدماء أنهم يتطرقون للقاعدة استطراداً, وقد يحيلون على العلم الذي يؤسس لهذه القاعدة أو تلك.
وهذه العملية ليست غريبة في تكون أي علم, فتأسيس العلوم المذكورة آنفاً مرّ بهذه المراحل من الأخذ من غيرها, لكن دواعي الحاجة إلى الاستقلال كانت أظهر فيها, إذ أن تاريخ البشرية عموماً يشير إلى أن العلوم تمرّ بمراحل عديدة حتى تنضج وما تزال تتكامل ما دامت الحياة, بيد أنها تبدأ بمرحلة النقل والتلقي, ثم يلتئم شتاتها وتبدأ بمشروع البناء, ثم توضع لبنات التأسيس الأولى بعد تحديد الإطار العام الذي يمكن أن تبني عليه أسسها, لترفع عليه قواعد واسطوانات تكون دعامة للبناء باتجاه الارتقاء.
فالملاحظ أن هذه العلوم الإسلامية - ككثير من العلوم - تأتلف من شقين, شق نظري وشق تطبيقي, وذلك ظاهر في الفقه الإسلامي الذي يمثل الجانب التطبيقي، إذ اكتنفه علم أصول الفقه الذي يمثل الجانب النظري, وكذا الأمر في علم الحديث،