الأسس المنهجية في تفسير النص القرآني - الحجار، عدي - الصفحة ٥٥ - توطئة
ثالثاً - مرحلة البناء[١٣٠]: بعد إن يتجلى للمتبع التحولات الكبيرة والخطيرة في المجتمع الإسلامي والتي استتبعت تشعبات واختلافات في الاتجاهات, حرص كل عالم، وكل فرقة أو مذهب على التأصيل لمفاهيمه من القرآن الكريم، والعمل على إقامة الحجة منه على اختياراته العلمية مما أدى وكما هو معلوم إلى كثير من الانحراف في التفسير فضلاً عن الكثرة والاتساع في الإنتاج.
فكان لابد من استقصاء وتجميع شتات جزئيات الأسس لعلم التفسير ليقوم بمهمته الجليلة في صيانة كتاب الله تعالى عما يمكن أن ينوش بياناته من العبث, جراء الفهم الخاطئ, أو تغيير اتجاه الدلالة بالمغالطة والأساليب الأُخَر التي ترمي إلى تعضيد ما يذهب إليه كل مفسر من مذهب.
فظهور الخلافات الفكرية والفقهية, نتج عنه كثافة على المستوى التطبيقي في التفسير، إلا انه في بداية الأمر لم تكن هناك نتاجات نظرية حاكمة للمفسر, كما في سائر العلوم لضبط العملية التفسيرية على مستوى التأصيل اللائق, حيث كان الاتكاء على ما أصل من الموازين للعلوم الأُخَر بوصفها من الخوادم للعملية التفسيرية, أي أن الشعور بالحاجة إلى تلك الأسس موجود, والعمل عليها موجود إلى حد ما لدى الكثير من المفسرين, ولكن دون تأسيس مستقل, فبرزت الحاجة الماسة لأسس منهجية لفهم النص الإلهي في القرآن الكريم، للشعور بأن «التفسير بصفته شرحاً لكتاب الله بقي عرياً من أي سياج نظري نقدي له نسقه الذي يحكمه ومنطقه الذي يقننه ويقعده»[١٣١].
بيد أن العلوم الإسلامية الأُخَر حظيت بمثل ذلك الحائط والسور الذي يحمي نظامها, في حين بقي التفسير مفتقراً إلى مثل هذا النظام إلا ما تبلور في بادئ الأمر في مقدمات التفاسير وكتب علوم القرآن, إضافة إلى ما تناثر منه في ثنايا الكتب التفسيرية.
[١٣٠] - ينظر: عبد الهادي الفضلي- خلاصة علم الكلام: ١٨٧.
[١٣١] - فريد الأنصاري- أبجديات البحث في العلوم الشرعية: ٣.