الأسس المنهجية في تفسير النص القرآني - الحجار، عدي - الصفحة ٢٤٤ - المجزومات
فجيء في جانب الحسنة بلفظ الماضي مع "إذا" لأن المراد بالحسنة الحسنة المطلقة التي حصولها مقطوع به, ولهذا عرّفت الحسنة تعريف الجنس - أي الحقيقة - لأن وقوع الجنس كالواجب لكثرته واتساعه لتحققه في كل نوع بخلاف النوع, وجيء في جانب السيئة بلفظ المضارع مع "إن" لأن السيئة نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة ولهذا نكّرت السيئة ليدل على التقليل, وقد تستعمل «إن» في مقام الجزم بوقوع الشرط تجاهلا، كما إذا سئل العبد عن سيده هل هو في الدار وهو يعلم أنه فيها، فيقول: إن كان فيها أخبرك, يتجاهل خوفاً من السيد, أو لعدم جزم المخاطب بوقوع الشرط فيجرى الكلام على سنن اعتقاده كقولك لمن يكذبك "إن صدقت فماذا تفعل", مع علمك بأنك صادق. أو تنزيل المخاطب العالم بوقوع الشرط منزلة الجاهل لمخالفته كما يفرض المحال لغرض من الأغراض كما في قوله تعالى:
(أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ)[٧٩٢].
أي أنهملكم فنضرب عنكم القرآن, وما فيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد (صَفْحًا) أي إعراضاً أو للإعراض أو معرضين (أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) في من قرأ إن بالكسر, فكونهم مسرفين أمر مقطوع به لكن جيء بلفظ «أن» لقصد التوبيخ. وتصوير أن الإسراف من العاقل في هذا المقام يجب أن لا يكون إلا على سبيل الفرض والتقدير كالمحالات لاشتمال المقام على الآيات الدالة على أن الإسراف مما لا ينبغي أن يصدر عن العاقل أصلاً فهو بمنزلة المحال وإن كان مقطوعاً، بعدم وقوعه لكنهم يستعملون فيه إن لتنزيله منزلة ما لا قطع بعدمه على سبيل المساهلة وإرخاء العنان لقصد التبكيت كما في قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)[٧٩٣], وغير
[٧٩٢] -سورة الزخرف: ٥.
[٧٩٣] -سورة الزخرف: ٨١.