الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٦٩٩ - اجتماع الدين والفطرة والزكاة وإليها يقدم
اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في جواز الاعتاق من الزكاة فروي عنه جواز ذلك وهو قول ابن عباس والحسن والزهري ومالك واسحق وأبي عبيد والعنبري وأبي ثور لعموم قوله تعالى ( وفي الرقاب ) وهو متناول للقن ، بل هو ظاهر فيه فان الرقبة تنصرف إليه إذا أطلقت كقوله تعالى ( فتحرير رقبة ) وتقدير الآية وفي اعتاق الرقاب ، ولانه اعتاق للرقبة فجاز صرف الزكاة فيه كدفعه في الكتابة ( والثانية ) لا يجوز وهو قول ابراهيم والشافعي لان الآية تقتضي صرف الزكاة إلى الرقاب كقوله ( في سبيل الله ) يرد الدفع إلى المجاهدين كذلك ههنا ، والعبد القن لا يدفع إليه شئ .
قال احمد في رواية أبي طالب قد كنت أقول : يعتق من زكاته ولكن أهابه اليوم لانه يجر الولاء ، وفي موضع آخر قبل له فما يعجبك من ذلك ؟ قال يعين في ثمنها فهو أسلم ، وقد روي نحو هذا عن النخعي وسعيد بن جبير فانهما قالا : لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة لكن يعطي منها في رقبة ويعين مكاتبا ، وبه قال أبو حنيفة وصاحباه : لانه إذا أعتق من زكاته انتفع بالولاء من أعتقه فكأنه صرف الزكاة إلى نفسه وأخذ ابن عقيل من هذه الرواية أن احمد رجع عن القول بالاعتاق من الزكاة ، وهذا والله أعلم انما كان على سبيل الورع من احمد فلا يقتضي رجوعا لان العلة التي علل بها جر الولاء ومذهبه في احدى الروايتين عنه انما رجع من الولاء رد في مثله فلا ينتفع إذا باعتاقه من الزكاة ( فصل ) ولا يجوز أن يشتري من زكاته من يعتق عليه بالرحم ، فان فعل عتق عليه ولم تسقط عنه الزكاة .
وقال الحسن .
لا بأس أن يعتق أباه من الزكاة لان دفع الزكاة لم يكن إلى أبيه ، وانما دفع الثمن إلى البائع ولنا أن نفع زكاته عاد إلى أبيه فلم يجز كما لو دفعها إليه ، ولان عتقه حصل بنفس الشراء مجازاة وصلة للرحم فلم يجز أن يحسب له من الزكاة كنفقة أقاربه ، ولو أعتق عبده المملوك له عن زكاته لم يجزئه لان اداء الزكاة عن كل مال من جنسه والعبد ليس من جنس ما تجب الزكاة فيه ، وكذلك لو أعتق عبدا من عبيد التجارة لم يجز لان الزكاة تجب في قيمتهم لا في عينهم
( مسألة )
( السادس الغارمون وهم المدينون وهم ضربان : ( ضرب ) غرم لاصلاح ذات البين ، ( وضرب ) غرم لاصلاح نفسه في مباح ) الغارمون ضربان ( أحدهما ) الغارمون لاصلاح نفوسهم ولا خلاف في استحقاقهم وثبوت سهمهم في الزكاة ، وأن المدينين العاجزين عن وفاء ديونهم منهم ، لكن من غرم في معصية مثل أن يشتري خمرا ، أو يصرفه في زنا ، أو قمار ، أو غناء ، أو نحوه لم يدفع إليه قبل التوبة شئ لانه اعانة له