الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٧٠٦ - دفع الزكاة لمدعى الفقر والكتابة والمتجمل
( مسألة )
( وإن ادعى الفقر من عرف بالغنى لم يقبل قوله إلا ببينة ) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أن المسألة لا تحل لاحد إلا لثلاثة : رجل أصحابته فاقه حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ، أو سدادا من عيش " رواه مسلم ، ولان الاصل بقاء الغنى فلم يقبل قوله بمجرده فيما يخالف الاصل ، وهل يعتبر في البينة على الفقر ثلاثة أو يكتفي باثنين فيه وجهان ( أحدهما ) لا يكتفي إلا بثلاثة لظاهر الخبر ( والثاني ) يقبل اثنين لان قولهما يقبل في الفقر بالنسبة في حقوق الآدميين المبنية على الشح والضيق ففي حق الله تعالى أولى والخبر انما ورد في حل المسألة فيقتصر عليه
( مسألة )
( وإن ادعى أنه مكاتب ، أو غارم ، أو ابن سبيل لم يقبل قوله إلا ببينة ) لان الاصل عدم ما يدعيه وبراءة الذمة ، فان كان يدعي الغرم من جهة اصلاح ذات البين فالامر فيه ظاهر لا يكاد يخفى ويكفى اشتهار ذلك فان خفي لم يقبل إلا بينة
( مسألة )
( فان صدق المكاتب سيده أو الغارم غريمه فعلى وجهين ) ( أحدهما ) يقبل لان الحق في العبد لسيده ، فإذا أقر بانتقال حقه عنه قبل ، ولان الغريم إذاصدق الغارم قبت عليه ما أقر به ( والثاني ) لا يقبل لانه متهم في أن يواطئه ليأخذ المال به
( مسألة )
( وإن ادعى الفقر من لم يعرف بالغنى قبل قوله لان الاصل عدم الغنى ) فان رآه جلدا وذكر أنه لا كسب له أعطاه من غير يمين بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب .
إذا كان الرجل صحيحا جلدا وذكر أنه لا كسب له أعطى من الزكاة وقبل
قوله بغير يمين إذا لم يعلم كذبه لان النبي صلى الله عليه وسلم أعطى
الرجلين الذين سألاه ولم يحلفهما ، وفي بعض رواياته أنه قال : أتينا النبي
صلى الله عليه وسلم فسألناه من الصدقة فصعد فينا النظر فرآنا جلدين فقال "
إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب " رواه أبو داود
( فصل) وإن رآه متجملا قبل قوله ايضا .
لانه لا يلزم من ذلك الغنى بدليل قوله سبحانه ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) لكن ينبغي أن يخبره أنها زكاة لئلا يكون ممن لا تحل له ، وإن رآه ظاهر المسكنة أعطاه منها ولم يحتج أن يبين له شرط جواز الاخذ ، ولا أن ما يدفعه إليه زكاة .
قال احمد رحمه الله وقد سئل عن الرجل يدفع زكاته إلى رجل هل يقول له هذه زكاة ؟ فقال : يعطيه ويسكت ولا يقرعه فاكتفى بظاهر حاله عن السؤال
( مسألة )
( وإن ادعى أن له عيالا قلد وأعطى ) ذكره القاضي وأبو الخطاب كما يقلد في دعوى حاجته ، ويحتمل أن لا يقبل إلا ببينة اختاره