قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٠٥ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
المتأهلين. و بلغنا عنه أنه قال: و عاتبني ربي عزّ و جلّ و قال: يا بشر ما كنت أحب أن تلقاني عزبا قال: فقلت له ما فعل أبو نصر التمار فقال: رفع فوقي سبعين درجة فقلنا: بما ذا، و قد كنا نراك فوقه فقال: بصبره على بناته و العيال. و قد كان ابن مسعود يقول: لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام أموت في آخرها لأحببت أن أتزوج، و لا ألقى الله عزّ و جلّ و أنا أعزب. و ماتت امرأة معاذ بن جبل رضي الله عنه في الطاعون، و كان هو أيضا مطعونا فقال: زوجوني فإني أكره أن ألقى الله عزّ و جلّ عزبا. و قد كان بعض الصحابة، انقطع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يخدمه و يبيت عنده لحاجة إن طرقته فقال له: ألا تتزوج فقال: يا رسول الله، أنا فقير لا شيء لي و أنقطع عن خدمتك، فسكت عنه ثم أعاد عليه ثانية: ألا تتزوج، فقال له مثل ذلك، ثم تفكر الصحابي في نفسه فقال: و الله لرسول الله أعلم بما يصلح في دنياي و آخرتي، و ما يقربني إلى الله عزّ و جلّ مني لئن قال لي الثالثة لأفعلن فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: ألا تتزوج قال: فقلت: يا رسول الله زوجني قال: اذهب إلى بني فلان فقل لهم إنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمركم أن تنكحوني فتاتكم قال: فقلت: يا رسول الله إنّه لا شيء لي فقال لأصحابه: اجمعوا لأخيكم وزن نواة من ذهب، فجمعوا له و ذهب إلى القوم فأنكحوه، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: أ و لم فقال: يا رسول الله لا شيء عندي فقال لأصحابه: اجمعوا لأخيكم ثمن شاة، فجمعوا له و أصلح طعاما، و دعا عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه. و في الخبر المشهور: من كان ذا طول فليتزوج. و في لفظ آخر: من استطاع منكم الباءة يعني الجماع فليتزوج، فإنه أغض للبصر و أحصن للفرج، و من لا فليصم، فإن الصوم له و جاء، و أصل الوجاء رض الخصيتين للفحل من الغنم لتذهب فحولته و ضرابه، فكانت العرب تجأ بحجرين فتقطع ضرابه، فيسكن لذلك عهره و يسمن. و من ذلك الخبر ضحى رسول الله صلى الله عليه و سلم بكبشين أملحين موجوءين يعني أبيضين مرضوضي الخصية. روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: تناكحوا، تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط و الرضيع. و في الخبر الآخر: من أحبني فليستن بسنتي يعني النكاح. و حديث أبي سعيد الخدري: من ترك النكاح مخافة العيلة فليس منا، و قد كان عمر يكثر النكاح و يقول: ما أتزوج إلّا لأجل الولد، و قد كانت هذه نية جماعة من السلف، يتزوجون لأجل أن يولد لهم فيعيش، فيوحد الله تعالى و يذكره أو يموت، فيكون فرطا صالحا يثقل به ميزانه كيف. و قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: أنّ الطفل يجر أبويه بسرره إلى الجنة و أنّ المولود يقال له: ادخل الجنة قال: فيقف على باب الجنة، فيظل محبنطئا أي ممتلئا غيظا و غضبا