قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٦٦ - ذكر أحكام مقام الرضا
كانت أعمالهم؟ قال: كانوا مسلمين، إلا أنهم لم يكن لهم التوكل و لا من الرضا نصيب. و قد جاء في فرض الرضا قول النبي صلى الله عليه و سلم: أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم، و إلا فلا. و قرن لقمان الرضا بالتوحيد فقال في وصيته لابنه: أوصيك بخصال تقرّبك إلى الله و تباعدك من سخطه: الأولى تعبد الله لا تشرك به شيئا. و الثانية الرضا بقدر الله فيما أحببت و كرهت. و قال في وصيته: و من يتوكل على الله و يرضى بقدر الله فقد أقام الإيمان و فرغ يده و رجليه لكسب الخير، و أقام الأخلاق الصالحة التي تصلح للعبد أمره. فمن الرضا سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور و طيب النفس و سكونها في كل حال، و طمأنينة القلب عند كل مفزع مهلع من أمور الدنيا و قناعة العبد بكل شيء، و اغتباطه بقسمة ربه و فرحه بقيام مولاه عليه، و استسلام العبد للمولى في كل شيء و رضاه منه بأدنى شيء و تسليمه له الأحكام و القضايا باعتقاد حسن التدبير و كمال التقدير فيها، و لتسليم العبد إلى مولاه ما في يديه رضا بحكمه عليه، و إن لا يشكو الملك السيد إلى العبد المملوك و لا يتبرّم بفعل الحبيب، و لا يفقد في كل شيء حسن صنع القريب، و من الرضا أن عند أهل الرضا لا يقول العبد: هذا يوم شديد الحرّ و لا هذا يوم شديد البرد، و لا يقول: الفقر بلاء، و محنة و العيال همّ و تعب، و الاحتراف كدّ و مشقّة، و لا يفقد بقلبه من ذلك ما لا يغرّه به بل يرضي القلب و يسلم و يسكن العقل، و يستسلم بوجود حلاوة التدبير و استحسان حكم التقدير. كما قال عمر بن عبد العزيز: أصبحت و ما لي سرور إلا في انتظار مواقع القدر. و قال ابن مسعود: الفقر و الغنى مطيتان ما أبالي أيّهما ركبت، إن كان الفقر فإن فيه الصبر، و إن كان الغنى فإن فيه البدل. و قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي سليمان: إنّ فلانا قال: وددت أنّ الليل أطول مما هو فقال: قد أحسن، و قد أساء. أحسن حيث تمنى طوله للعبادة و أساء إذا لم يحبّ ما لم يحب الله. و روي عن عمر بن خطاب رضي الله عنه: ما أبالي على أي حال أصبحت و أمسيت من شدة أو رخاء. و قال ذات يوم لامرأته عاتكة و قد غضب: و الله لأسوأنك: فقالت أ تستطيع أن تصرفني عن الإسلام بعد أن هداني الله له؟ قال: لا، قالت: فأي شيء تسوءني إذا. و قال جعفر بن سليمان الصنعي قال سفيان الثوري يوما عند رابعة: اللّهم ارض عنا، فقالت: أما تستحي من الله أن تسأله الرضا و أنك غير راض عنه؟ فقال: أستغفر الله. قال جعفر فقلت لها: متى يكون العبد راضيا عن الله تعالى؟ فقالت: إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة. و قال فضيل بن عياض: إذا استوى عنده المنع و العطاء فقد رضي. و في أخبار داود: ما لأوليائي و الهمّ بالدنيا، إنّ الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم. و في