قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٩١ - ذكر فضائل الحج و آدابه و هيئاته و فضائل الحجاج و طريق السلف السالكين للمنهاج
١٩٦]. يعني من أوجبه على نفسه في هذه الأشهر فأحرم به و هو شوال و ذو القعدة و تسع من ذي الحجة فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج. الرفث اسم جامع لكل لغو و خنى و فجر من الكلام و مغازلة النساء و مداعبتهن و التحدث في شأن الجماع، و الفسوق جمع فسق و هو اسم جامع لكل خروج من طاعة و لكل تعدّي حدّ من حدود الله تعالى، و الجدال وصف مبالغ للخصومة و المراء فيما يورث الضغائن و فيما لا نفع فيه، فهذه ثلاثة أسماء جامعة مختصرة لهذه المعاني المثبتة أمر الله تعالى بتنزيه شعائره و مناسكه منها لأنها مشتملة على الآثام و هنّ أصول الخطايا و الإجرام. و الحجّ في اللغة هو القصد إلى من يعظم. و كانت العرب تقول نحجّ إلى النعمان أي نقصده تعظيما له و تعزيزا، فينبغي أن يكون الحاجّ معظّما لمن قصده بالحجّ ليتحقق بمعنى هذا الاسم. و الحجّ أيضا سلوك الطريق الواضح الذي يخرج إلى البغية و يوقف على المنفعة و اشتقاقه من المحجّة بمنزلة النسك، و هو اسم للطريق مشتقّ من المنسك، و هو من أسماء الطريق و إن كان أصله المذبح و منه سمي الناسك لأنه سالك لطريق الآخرة. فأول فضائل الحجّ حقيقة الإخلاص به لوجه الله تعالى، و أن تكون النفقة حلالا و اليد فارغة من تجارة تشغل القلب و تفرق الهم، و يكون الهمّ مجرّدا و القلب ساكنا مطمئنا مملوءا بالذكر فارغا من الهوى ناظرا أمامه غير ملتفت إلى ورائه، و صحة القصد بحسن الصدق ثم طيب النفس بالبذل و الإنفاق و التوسع في النفقة و الزاد و بذل ذلك، لأنّ النفقة في الحجّ بمنزلة النفقة في سبيل الله تعالى، الدرهم بسبعمائة درهم. و الحجّ من سبيل الله. روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم. و قال ابن عمر و غيره: من كرم الرجل طيب زاده في سفره. و كان يقول: أفضل الحجاج أخلصهم نية و أزكاهم نفقة و أحسنهم يقينا. و في حديث ابن المنكدر عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: الحجّ المبرور ليس له جزاء إلّا الجنة. و قال: سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم: ما برّ الحجّ. قال: طيب الكلام و إطعام الطعام. و يقال: إنّما سمي سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال. و بعضهم يقول يسفر عن صفات النفس و جوهرها إذ ليس كل من حسنت صحبته في الحضر حسنت صحبته في السفر. و قال رجل لآخر: إنّه يعرفه. فقال له: هل صحبته في السفر الذي يستدلّ به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: ما أراك تعرفه. و لا يجادل و لا يخاصم و لا يكثر المراء و لا يرفث بلسانه. و روينا عن بشر بن الحرث قال: قال سفيان: من رفث فسد حجّه، و ليتعلّم أحكام المناسك و معالم الحجّ و هيئاته و آداب المشاهد قبل الخروج، و ليكن ذلك أهمّ شيء إليه و ليقدّمه على جميع أسباب السفر. فإن هذا هو المقصود و البغية فلا ينأين عنه، و ليعد له