قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٤٣ - النوع الرابع من التفضيل
يذهبوا بالأجر كلّه. فقال كلاما شكرتم لهم و أثنيتم به عليهم. و لذلك أمر به صلى الله عليه و سلم في الحديث الآخر فقال: من أسدي إليه معروف فليكافئ به، فإن لم يستطع فليثن به. و في لفظ آخر: من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فأثنوا به خيرا و ادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه، و الخبر العام بمعنى ذلك: من لم يشكر الناس لم يشكر الله. و قد روينا في معنى الحدث لفظة غريبة جاءت من طريقين، و هو: من لم يذكر الناس لم يذكر الله عزّ و جلّ أن يذكرهم في العطاء و يثني عليهم به، و النوع الثاني من التفضيل أنّ على المعطي أن لا يحبّ أن يذكر معروفه و لا يشكر فإن علمت من يقصد ذلك و يحبه منك فهذا يدل على نقصان علمه و قوة آفات نفسه، فترك الثناء على مثل هذا و الكتم من الفقير أفضل، فإن شكر له فأظهر عطاءه فقد ظلمه لإعانته إياه على ظلم نفسه، و قد قوى آفات نفسه، و هذا إذا فعله به من المعاونة على الإثم و العدوان فقد كان ينبغي للمعطي أن ينصره إذا كان ظالما من حيث لا يعلم بأن يخفي عليه ما يعمل و الله أعلم بالصواب. نوع آخر من التفضيل في الآخذ للفقير. إنّ من الناس من يستوي عنده إظهاره للعطاء و إخفاؤه لصحة يقينه بذلك و إخلاص نيته فيه و نفاد مشاهدته بدوام نظره إلى المنعم الأول، فهذا إن قبلت منه علانيته صلح و إن أثنيت عليه بذلك جاز لقوة معرفته و كمال عقله و سبق نظره إلى مولاه فيما و فقه به و تولاه، فيشكر له ذلك و يراه نعمة منه، و لمثل هذا جاء الخبر المشهور: إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه،. و قال بعض العارفين: يمدح الرجل على قدر عقله. و قال الثوري: من عرف نفسه لم يضرّه مدح الناس له. النوع الرابع من التفضيل من الناس من إذا أظهر معروفه فسد قصده بذلك و اعتورته الآفات من التزين و التصنع، فمثل هذا لا يصلح أن يقبل منه ما أعلن به لأنه يكون معينا له على معصيته، و هذا أيضا لا يصلح أن يثني عليه، فإن ذكر بمعروفه أو مدح به، كان ذلك مفسدة له و اغترارا منه لقوة نظره إلى نفسه و نقصان معرفته بربه، فمن مدح هذا فقد قبله و من ذكره بمعروفه فقد أعانه على شركه، و مدح رجل رجلا عند النبي صلى الله عليه و سلم فقال: ضربت عنقه. لو سمعها ما أفلح و قد كان هو صلى الله عليه و سلم يثني علم قوم في وجوههم و من حيث يسمعون لثقته بيقينهم و علمه أنّ ذلك مزيدا لهم. و قال لرجل أقبل إليه: هذا سيّد أهل الوبر. و قال لآخر من حيث يسمع: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. و تكلم رجل بكلام فصل فأعجبه فقال النبي صلى الله عليه و سلم: إنّ من البيان سحرا. و قد كان يخفي الثناء على آخرين إذا علم أنّ ذلك خير