قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٥٤ - ذكر حكم المتوكل إذا كان ذا بيت
المدعين، و لم ينطق بكلام الصادقين و لا يدل إدلال المحبوبين، فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له و مزيد مثله، و هذا مزيد الناقصين. و المعاملة الخامسة أن يكون له بكل درهم تلف سبعمائة درهم، كأنه قد أنفقه في سبيل الله. حسب له ذلك لأنه قد كان نواه. و كذلك إن لم يؤخذ ما في بيته استنباطا من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم فيمن ترك العزل فأقر النطفة قرارها: إنّ له أجر غلام ولد، له من ذلك الجماع و عاش فقتل في سبيل الله، و إن كان لم يولد له فقال: أنت تخلقه، و أنت ترزقه إليك، محياه إليك، مماته أقرها قرارها و لك ذلك. و المعاملة السادسة أن لا يأثم أخوه الذي أخذ رحله إن كان قد جعله صدقة عليه. فيؤجر أجرا ثانيا لإشفاقه على أخيه، و حسن نظره للعصا من حيث لا يعلمون تخلقا بأخلاق مولاه. و ينال بعفوه عن ظالمه درجة المحسنين، و يتحقّق بمقام المتّقين و يكون ممّن وقع أجره على الله، فيخفي له ما لا تعلم نفس من قرة العين و لأنه قد علم كيف جرى الأمر و أنّ الآخذ مبتلى بسوء القضاء، و أنّه قد عوفي إذ لم يكن هو ذلك العبد فيرحم أهل البلاء حينئذ، و يحمد الله على ما عافاه فيشغله الشكر للَّه عن الدعاء على ظالمه. قال بعض العارفين لبعض أصحابه: لم أسقط أهل المعرفة الأئمة عن الظالمين لهم فقلت: لا أدري قال: لعلمهم أنّ الله قصدهم بذلك و ابتلى الظالمين بهم فرحموهم، و ذلك داخل في نصر أخيه الظالم لنفسه، و طاعة لأمر رسوله في قوله: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، أي تمنعه عن الظلم فإذا عفا عنه فقد منعه من الظلم، لأنه لو رآه منعه من أخذه أو وهبه له فيقوم عفوه عنه مقام رؤيته. و المعاملة السابعة تحقّقه في الزهد فيما ذهب. و قال أبو سليمان الداراني لما بلغه عن مالك بن دينار أنه قال للمغيرة: اذهب فخذ تلك الركوة من البيت فلا حاجة لي بها، و كان قد أهداها إليه و قبلها منه فقال: و لم؟ قال يوسوس إلى العدوّ أنّ اللص قد أخذها و كان مالك لا يغلق بابه إنما كان يشدّه بشريط و كان يقول: لو لا الكلاب ما شددته أيضا. فقال أبو سليمان: هذا من ضعف قلوب الصوفيين، هو قد زهد مني الدنيا فما عليه بمن أخذها. و هذا كما قال أبو سليمان: لأن الزهد إذا صحّ دخل الرضا فيه. و لقول مالك أيضا وجه كأنه كره أن يعصي الله به، فيكون هو سبب معصية الله. و لكن قول أبي سليمان أعلى لأجل التوكّل و الرضا، و هذا الذي ذكرناه من ذهاب ما في البيت هو لكل من ذهب له مال في سفر أو حضر، و لكن من أصيب بمصيبة في نفس أو أهل هذه المعاملات كلها إذا اعتقدها بقلبه و كانت في خلده و وجده، و إن لم ينطق بها أو يظهرها: فأكثر الناس إيمانا