قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٩٦ - ذكر رياضة المريدين في المأكول و فضل الجوع و طريقة السلف في التقلّل و الأكل
طرقات التصنع و التزين. و روي عن جعفر الصادق رضوان الله عليه: إذا قدمت إليّ شهوة نظرت إلى نفسي، فإن أظهرت شهوتها لها أطعمتها منها، و كان ذلك أفضل من منعها، و إن أخفت شهوتها و أظهرت العزوف عنه عاقبتها بالترك و لم أنلها منها شيئا، تفسير ذلك أنّ إظهار النفس الشهوة أن لا تبالي أن تعرف بأكل الشهوات، و أن تحبّ أن يظهر على ذلك من يعرف من أهل الديانات. و إخفاء النفس الشهوة أن تشتهي و تحبّ أن لا يعلم أنها تشتهي، و تكره أن تعرف بأنها ممن تشتهي. فقال: هذه هي المعاقبة بترك أكلها لأنه إذا ترك أكل شهوة لأجل الشهوات ثم اشتهى أن لا يعرف بتركها، فهذا شهوة الشهوات. فقد وقع في أعظم مما كره، و تمتعه بشهوة النظر إليها و المدح له أكثر من تمتعه بترك شهوته المأكولة، و هذا من الشهوة الخفية، التي جاء في الخبر: أخوف ما أخاف على أمتي الرياء، و الشهوة الخفية، و الرياء بالمعاملات، و خفيّ الشهوة أن تشتهي أن تعرف و توصف بترك الشهوات. و سئل بعض العلماء عن بعض الزّاد فسكت عنه فقال: تعلم به بأسا؟ فقال: ما أعلم به بأسا إلّا في شيء واحد مكروه يأكل في الخلوة ما لا يأكله في الجماعة، فأعلّه بذلك، و لعمري أنه موضع علّة، لأن الصادقين قد كانوا يأكلون في الجماعة ما لا يأكلون في الخلوة، فهذا ضد حالهم، فإن اتفق للعبد لونان أحدهما ألطف من الآخر ابتدأ فأكل الألطف منهما، فلعل كفايته تتمّ به فيستريح من الآخرة، فإنما قدم أهل الدنيا غليظ الألوان على رقيقه ليتسعوا في الأكل و تنفتق شهواتهم فيكون لكل لون لطيف مكان آخر. و شبّه بعضهم المعدة بمنزلة جراب ملأته جوزا حتى لم يبق فيه فضل للجوز، فجئت بسمسم فصببته عليه، فأخذ لنفسه موضعا في خلال الجوز، فوسّع الجراب السمسم للطفه مع الجوز، فكذلك المعدة إذا ألقيت فيها طعاما رقيقا لطيفا بعد طعام غليظ خشن أخذته الشهوات في أماكنها فتمكن فيها بعد الشبع مما قبله و العرب تعيب ذلك و لا تفعله إذ من سنتها أن تبتدئ باللحم قبل الثريد. قال رجل لبعض الأنباط: أنت من الذي يبتدئون بالثريد قبل الشواء، يذم أهل العراق بذلك هذا إذا استوى اللونان في الحكم أو لم يكن للمريد في ترك الأفضل منهما نية. فإما إن كان قد ترك الشهوات ثم قدمت إليه و كان على عقد نيته و قوة عزمه فلا بأس بأكل الأدون. و قد كان بعض الصادقين ممن ترك أكل الشهوات في الانفراد إذا قدمت إليه نال منها شيئا يسيرا ليستر عن نفسه أبصار الناظرين و يصرف عنه قلوب المادحين. و قال أبو سليمان: إذ قدمت إليك شهوة و قد كنت تاركا لها فأصب منها يسيرا و لا تعط نفسك منتهاها فتكون قد أسقطت عن نفسك الشهوة، و تكون