قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧٩ - ذكر فضائل الصدقة و آداب العطاء و ما يزكو به المعروف و يفضل به المنفقون
و في الخبر: صدقة السرّ، و قيل صدقة الليل، تطفئ غضب الرب تعالى. و قد أخبر الله تعالى أنّ الإخفاء أفضل، و معه يكون تكفير السيّئات. فقال سبحانه و تعالى: وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ من سَيِّئاتِكُمْ [البقرة: ٢٧١]. فإن أظهر مسكين نفسه، و كشف نفسه للسؤال، و آثر التبذل على الصون و التعفّف، فلا بأس أن تظهر معروفك إليه. فإن أظهرت زكاتك إرادة السنّة، و الاقتداء بك، و التحريض على مثل ذلك من غيرك لينافسك فيه أخوك، فيسرع إلى مثله أمثالك منهم فحسن، و ذلك من التحاض على إطعام المسكين. و قد ندب الله إليه و قد قيده في قوله تعالى: وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً [الرعد: ٢٢]. قيل سرّا التطوّع، و علانية الصدقة المفروضة. و كذلك قوله تعالى: وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً [المزمل: ٢٠]. القرض الحسن هو التطوّع، و قد قيل الحلال. كما قال: وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً [هود: ٨٨] أي حلالا. و قد قال تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة: ٢٧١]. فمدح المبدي بنعم إلّا أنّ ذلك لا يحسن إلّا إلى من أبدى نفسه كأنه هذا السائل الذي يسأل بلسانه و كفّه. و قوله تعالى: وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ [البقرة: ٢٧١] الآية. كأنها للمستخفف بالمسألة و هي لخصوص الفقراء لا يظهرون نفوسهم بما يمنعهم الحياء و التعفّف. فمن أظهر نفسه فأظهر إليه، و من أخفاها فأخفي له. و من ذلك كشف عورة الفاسق: إنما حرم عليك أن تظهر عورة من يخفي عنك نفسه و يستتر. فإذا أظهر نفسه بها و أعلن فلا بأس أن يظهر عليه كما جاء في الخبر: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له. و ينبغي أن يجعل صدقته من أفضل ما يحبه من المال، و من جيد ما يدخر و يقتني و تستأثر به النفوس، فيؤثر مولاه به كما أمره. و ضرب المثل له فقال: أَنْفِقُوا من طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ [البقرة: ٢٦٧] ثم قال: وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [البقرة: ٢٧٦]. و قال في ضرب المثل بالعبيد: و لستم بآخذيه إلّا أن تغمضوا فيه، أي لا تقصدوا الرديء فتجعلوه للَّه تعالى. و لو أعطى أحدكم ذلك لم يأخذه إلّا على إغماض أي كراهية و حياء، و لا يجعل ما للَّه تعالى دون ما يستجيد لنفسه، أو ما يكره أن يقتنيه لعاقبته أو يأخذه من غيره، أو ما لا يستحسن أن يهديه لنبيل من العبيد، فتكون قد آثرت نفسك أو عبدا مثلك على مولاك فإن هذا من سوء الأدب و لا يقوم سوء أدب واحد في معاملة بجميع المعاملات. و قد روي في معنى قوله تعالى: من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً [البقرة: ٢٤٥]. قال: طيّبا. فإن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا طيّبا. و في حديث أبان عن أنس: