قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٢٢ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
المقامات. و متى ذل نفسه و تواضع عند نفسه فلم يجد لذله ذوقا و لا لضعته حسّا فقد صار الذل و التواضع كونه، فهذا لا يكره الذم من الخلق لوجد النقص في نفسه، و لا يحب المدح منهم لفقد القدر و المنزلة من نفسه. فصارت الذلة و الضعة صفته لا تفارقه، لازمة له لزوم الزبالة للزبال و الكساحة للكساح، هما صنعتان لهما كسائر الصنائع، و ربما فخروا بهما لعدم النظر إلى نقصهما. فهذه ولاية عظيمة له من نفسه، قد ولاه على نفسه و ملكه عليها فقهرها بعزه. و هذا مقام محبوب و بعده المكاشفات بسائر العيوب. أول ذلك دخول نور الحكمة في القلب و ينبوع الحكم من قلبه. كما روينا أنّ عيسى بن مريم عليه الصلاة و السلام قال: يا بني إسرائيل، أين ينبت الزرع؟ قالوا: في التراب فقال: بحق أقول لكم: لا تنبع الحكمة إلا في قلب مثل التراب. و من كان حاله مع الله تعالى الذل طلبه و استحلاه، كما يطلب المتكبّر العز و يستحيله إذا وجده. فإن فارق ذلك الذل ساعة تغير قلبه لفراق حاله. كما أن المتعزز إن فارقه العز ساعة تكدر عليه عيشه لأن ذلك عيش نفسه. و ممن روينا عنه اختيار الذل و إسقاط المنزلة و القدر عند الناس و محو جاهه و موضعه من قلوبهم، و أظهر على نفسه ألوان معاني الذم أكثر من أن يحصى، و ذكرهم يطول. و ذاك أنَّ حالهم الصدق فتقتضيهم القيام بحكمها فلا بد من قيامهم بمقتضى حالهم. حدثني بعض الأشياخ عن أبي الحسن الكريني أستاذ الجنيد، أن رجلا دعاه ثلاث مرات إلى طعامه ثم يرده، فرجع إليه بعد ذلك حتى أدخله المنزل في المرة الرابعة. فسأله عن ذلك، فقال: قد رضيت نفسي على الذل عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد ثم يدعى فيرمي له عظم فيجيء و زاد غيره. و قال: لو رددتني خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبت. و حدثني شيخ آخر عن أستاذه قال: نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح، فتشتت قلبي فدخلت حماما في جوف المحلة و عنيت على ثياب فاخر فسرقتها و لبستها، ثم لبست مرقعتي فوقها، و خرجت و جعلت أمشي قليلا قليلا ليفطن بي فلحقوني فنزعوا مرقعتي و استخرجوا الثياب، و صفعوني و أوجعوني ضربا. فصرت أعرف في الناحية بلص الحمام فسكنت نفسي. و حدثت عن بعض الصوفية أنّه وقف على رجل يأكل، فمد يده إليه فقال: إن كان ثم شيء للَّه فقال له: اجلس فكل. فقال: أعطني في كفي، فأعطاه في كفه فقعد في مكانه يأكله. فسأله عن امتناعه من الجلوس معه، فقال: إن حالي مع الله عزّ و جلّ الذل، فكرهت أن أفارق حالي. و كان هذا ربما مد يده إلى الهراس فيضع فيها هريسته و العرب تأنف أن يوضع الشيء في أكفها لعزة نفوسها. حتى روينا عن بعض الصحابة من المهاجرين، الأول في أول النبوة فقال جعت ثلاثا لم أطعم شيئا، فبلغني