قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٧ - فهرس الجزء الثاني شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين
تعب، و غيرهم مكدودون مشغولون. و قال أيضا: المتوكّل إذا رأى السبب أو ذم أو مدح فهو مدّع لا يصحّ له التوكّل. و أوّل التوكّل ترك الاختيار و المتوكّل على صحة قد رفع أذاه عن الخلق، لا يشكو ما به إليهم، و لا يذمّ أحدا منهم لأنه يرى المنع و العطاء من واحد، فقد شغله عمّا سواه. و قيل لسهل: ما أدنى التوكّل؟ قال: ترك الأماني، و أوسطه ترك الاختيار. قيل: فما أعلاه؟ قال: لا يعرفه إلا من توسّط التوكّل و ترك الاختيار. أعطى فذكر كلاما طويلا. و قال بعض هذه الطائفة: العبيد كلّهم يأكلون أرزاقهم من المولى، ثم يفترقون في المشاهدات. فمنهم من يأكل رزقه بذلّ، و منهم من يأكل رزقه بامتهان، و منهم من يأكل رزقه بانتظار، و منهم من يأكل رزقه بعزّ لا مهنة و لا انتظار و لا ذلّة. فأما الذي يأكلون أرزاقهم بذلّ، فالسؤال يشهدون أيد الخلق فيذلّون لهم، و الذين يأكلون بامتهان، فالصناع يأكل أحدهم رزقه بمهنة و كره، و الذين يأكلون أرزاقهم بانتظار، فالتجار ينتظر أحدهم نفاق سلعته فهو متعوب القلب معذّب بانتظاره، و الذين يأكلون أرزاقهم بعزّ من غير مهنة و لا انتظار و لا ذل فالصوفية، يشهدون العزيز فيأخذون قسمهم من يده بعزة. فأمّا الذين يأكلون من أرباب السلاطين فباعوا أرواحهم فتلك قسمة خاسرة وقعوا في الذلّ الواضح. و سئل بعض العلماء عن معنى الخبر المأثور: «الخلق عيال الله فأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله» فقال: هذا مخصوص و عيال الله خاصته. قيل: كيف؟ قال: لأن الناس أربعة أقسام: تجار و تجارة و صناع و زراعة. فمن لم يكن منهم فهو من عيال الله. فأحبّ الخلق إلى الله أنفعهم لهؤلاء. و هذا كما قال: لأن الله سبحانه و تعالى أوجب الحقوق و فرض الزكاة في الأموال لهؤلاء لأنه جعل من عياله من لا تجارة له و لا صنعة فجعل معاشهم على التجّار و الصنّاع. ألا ترى أن الزكاة لا تجوز على تاجر و لا صانع لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: لا تحلّ الصدقة لغنيّ و لا لقويّ مكتسب، فأقام الاكتساب مقام الغنيّ. و قال الله تعالى: وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَ من لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ [الحجر: ٢٠] فكان من تدبّر الخطاب أن من ليسوا له برازقين هو من ليس له فيها معيشة في الأرض. و قال عامر بن عبد الله: قرأت ثلاث آيات من كتاب الله عزّ و جلّ استعنت بهنّ على ما أنا فيه فاستعنت قوله تعالى: وَ إِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَ إِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس: ١٠٧]. فقلت: إن أراد أن يضرّني لم يقدر أحد أن ينفعني، و إن أعطاني لم يقدر أحد أن يمنعني. و قوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢] فاشتغلت بذكره عن ذكر من سواه، و قوله تعالى: وَ ما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها [هود: ٦].