قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٤٤ - النوع الرابع من التفضيل
لهم، و قال الثوري ليوسف بن أسباط: إذا أوليتك معروفا فكنت أنا أسرّ به منك و رأيت ذلك نعمة من الله تعالى عليّ و كنت أشدّ حياء منك فاشكر، و إلّا فلا. فجملة ذلك أنّ المعطي حاله الإخفاء و أنّ الآخذ حلاه الإظهار، فمن خالف ذلك فارق حاله، و إن فرض المعطي أن يكره المدح و لا يحبّ الثناء و الذكر، فمن علمت منه ذلك فعليك أن تثني و تشكر و تنشر، و من علمت منه بحب الإظهار و يقتضي منك الاشتهار فحالك أن تعاونه على ظلمه لنفسه. فترك الثناء لمثل هذا أفضل له و أسلم لك فهذا تفصيل ما أجمله الصادقون ثم اختلفوا في الأخذ من الواجب أفضل أم التطوع؟ فرأى بعضهم أن يأخذ من الواجب و لا يقبل من التطوع، أي لأنّ الواجب يؤخذ بإذن الله تعالى عن قسمه، و إنّ الله تعالى أوجب عليه أن يأخذه من حيث أوجب الزكاة، لأن الفقراء و المساكين لو تواطئوا على أن لا يقبلوا الزكوات أثموا أجمعون و لعصوا كلهم بذلك لإسقاطهم فرض الله عزّ و جلّ من الأموال بالزكوات. قالوا: و لأنّ هذا أدخل له في جملة الضعفاء و المساكين و أقرب إلى التواضع و الذلة. قالوا: و لا منّة لأحد علينا فيه و لا حق يلزمنا عليه إذ كنا نستحق ذلك منه، قالوا: و لأنه أسلم لديننا لئلا يدخل علينا الأكل بالدين لأنّا إنما نستوجبه بالحاجة و حرمة الإسلام فقط، و نخاف أن يكون أخذنا التطوع أكلا بديننا أو أنّا أعطينا لصلاحنا و اعتقاد فضلنا فلا نحبّ أن نخصّ بشيء دون الفقراء، و هذا مذهب القراء من العابدين، و من ينظر إلى صلاحه و نفسه في الدين هو مقتضى حالهم و موجب شهادتهم. و اختارت طائفة أن يأخذوا من النوافل دون الفرائض أجروه مجرى الهدية و قالوا: قد أمر بقبولها و ندب إلى التهادي للتآلف و التحبّب. قالوا: و لا نزاحم المساكين في حقوقهم و لعلنا لا نكمل أوصافهم، و نخاف أن لا يوجد فينا ما شرط الله عزّ و جلّ لواجبه، و لا نضعه في حقيقة موضعه، أو لا نحتاط لمن يسقط عنه الواجب به. فالتطوع أوسع علينا، و مع هذا فإنهم يشهدون النعمة من الله تعالى و أنّ الدين إنما هو للَّه عزّ و جلّ. كما قال: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ [الزمر: ٣]، و أنهم مستعملون بأنفسهم من حيث كانوا منعما عليهم لا منعمين على أنفسهم، و هذه طريقة بعض أهل المعرفة. و ممن ذهب إلى هذا إبراهيم الخواص و أبو القاسم الجنيد و من وافقهما. و الأمر في ذلك عندي أنّ من لم يأخذ من كلا إنسان و لا في كل أوان، و لم يقبل إلّا عند الحاجة، و ما لا بدّ له منه، ثم قام بحكم الله تعالى في الواجب و حكمه في التطوع أنّ الحالين يتقاربان، لأنّ الواجب أمر الله تبارك و تعالى فيه حكم، و التطوع ندب، و له عزّ و جلّ فيه حكم، فعلى العبد أن ينظر لدينه و يحتاط لأخيه فيعمل بما يوجب الوقت من الحكم من أيهما كان فسواء ذلك، و لا ينظر بظلمة في هوى الحظ ففي ذلك سلامته.