قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨٣ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
المودة، و عاملوا العامة بالرغبة و الرهبة، و سوسوا السفلة بالمخافة، و مثل جملة الناس كمثل جملة الشجر، منهم من له ظل ليس فيه ثمر و هذا الذي فيه نفع من الدنيا و لا ثمرة له في العقبي، و يحتاج إليه في وقت، و منهم من فيه ثمر و ليس له ظل و هذا يصلح للآخرة و لا يصلح للدنيا، و منهم من فيه ظل و ثمر، فهذا الذي يصلح للدين و الدنيا و هو أعزها، و منهم من لا ظل له و لا ثمر و هذا هو الذي لا يحتاج إليه، فمثله في الشجر مثل شجر الغضا و هو شوك البرية التي تسميه العامة أم غيلان، تمزق الثياب لا طعام فيه و لا شراب، فهؤلاء من الناس من يضرّ و لا ينفع و يكثر و لا يدفع، مثله كما قال الله تبارك و تعالى: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ من نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ [الحج: ١٣]. و مثله في الدواب مثل الفأرة و العقرب، و قد قيل في وصفهم: الناس شيء إذا ما أنت ذقتهم لا يستوون كما لا يستوي الشجر ذا رب ظلّ و هذا عنده ثمر و ذاك ليس له ظل و لا ثمر و قد أنشدنا في مثل وصف هذا لبعض الأدباء: إذا كنت لا ترجى لدفع مهمة و لم تك يوم الحشر ممن يشفع و لا أنت ذا مال يجود بماله فعود خلال من إخائك أنفع قال بعض السلف: إذا ولى أخوك ولاية فثبت على نصف مودتك فكثير. و حدثنا محمد بن القاسم القرشي عن الربيع بن سليمان، عن الإمام الشافعي رحمه الله، أنه آخى رجلا ببغداد ثم إنّ أخاه ولي السببين فتغير للشافعي كما كان يعهده منه فكتب إليه الشافعي رضي الله عنه هذه الأبيات: اذهب فودك من ودادي طالق مني و ليس طلاق ذات البين فإن ارعويت فإنها تطليقة و يدوم ودك لي على ثنتين و إذا امتنعت شفتها بمثالها فتكون تطليقتين في حيضين فإذا الثلاث أتتك مني بتة لم تغن عنك ولاية السيبين فذكر هذا الكلام لبعض الفقهاء فاستحسنه و قال: هذا الطلاق فقهي، إلّا أنه طلق قبل النكاح، و قد كان الشافعي عليه السلام آخى محمد بن عبد الحكم المصري و كان يحبه و يقربه، و يقول: ما يقيمني بمصر غيره، و اعتل محمد فعاده الشافعي، فحدثني القرشي عن الربيع قال: سمعت الشافعي ينشد و قد عاد محمّدا: