قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٢٥ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
و كانوا فيه من الزاهدين لما أخرجوه من أيديهم و تركوه، و تابوا إلى أبيهم، و زهدوا فيه. ثم يصبر عما زهد فيه ليحق زهده. كما قال: و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر. و قال عز و جل: وَ لِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر: ٧]، ثم يشكر على ما صبر عنه ليكمل صبره. كما قال: لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الكهف: ٣٩]، وَ ما بِكُمْ من نِعْمَةٍ فَمِنَ الله [النحل: ٥٣]، وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ [البقرة: ٢٣١]، ثم يرجو من شكر له ليزيده من فضله فيعطيه فوق سؤله بحسن ظنه به. كما قال تعالى: وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: ٩]، و قد ذم من أيس من رحمته بقوله: و لئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه، إنه ليئوس كفور. ثم يخاف فوت ما رجا و يخاف من تقصيره في الشكر لما أولى، لتحق غبطته برجائه و يتم إشفاقه من تبديل الآية و يخاف نقصان المزيد كما قال سبحانه: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً [السجدة: ١٦]، و قال مخبرا عن أوليائه: إنّا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمنّ الله علينا و قد عاب الله من فرح بما أظهر له و فخر بما أوتي و من عود البلاء و نسي أنه كان مبتلى. في قوله تعالى: و لئن أذقناه نعماء بعد ضرّاء مسّته ليقولنّ: ذهب السيّئات عني إنه لفرح فخور. ثم يتوكل على من خافه فيسلم نفسه إليه و يستسلم بين يديه، أن يحكم فيه ما أحبّ لقوله تعالى: وَ عَلَى الله فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣]، و قوله: نعم أجر العاملين الذين صبروا و على ربهم يتوكلون. ثم يرضى بمن توكل عليه و عمّن توكل له لعلمه بحكمته البالغة و تدبيره الحسن لقوله تعالى: رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩]، و لقوله تعالى: وَ من النَّاسِ من يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ الله [البقرة: ٢٠٧]، ثم يحب من رضي به و رضي عنه، إذ كان قد اختاره على ما سواه و إذ صار حسبه لما رآه، فصارت هذه المقامات التسع كمقام واحد، بعضها منوط ببعض. و دليلها كتاب الله تبارك و تعالى الحقّ اليقين النور المبين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه من طريق الهوى، و لا من خلفه من خيل الأعداء. فأشبهت دعائم الإسلام الخمس في مقام العموم من طريق الإسلام، إذ بعضها مرتبط ببعض كهذه في مقام الخصوص من طريق المقرّبين، ثم يرجع بعد مقام المحبة إلى حال الرضا قوة فقوة، ثم يتردد في مقام المحبة رتبة رتبة، و ليس فوق حال الرضا مقام يعرف، و لا فوق مقام المحبة حال يوصف. و هما موجب المعرفة و منتهاها المعروف و قرارها المألوف. و إن إلى ربّك المنتهى، إلى ربّك يومئذ المستقر. فليس للرضا نهاية إذ ليس للمحبوب غاية، و إنّ الرضا مزيد أهل الجنة، في الجنة و ليس للحب نهاية لأنه عن الوصف و لا غاية للصفات و ليس لطلب المحبّ حدّ لأنّه عن القرب، و لا غاية للقرب لأنه عن وصف قريب، و لا حدّ لقرب فيترافع المؤمنون في