قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦٦ - ذكر الحث على المحافظة على الصلاة و طريقة المصلّين من الموقنين
ينقلون بل كل ملك موقوف في مقام معلوم لا ينقل عنه إلى غيره مثل: الشكر و الخوف و الرجاء و الشوق و الأنين و الخشية و المحبة، بل كل ملك له مزيد و علوّ من المقام الواحد على قدر قواه. و جمع ذلك كلّه في قلب الموقن. قال الله تعالى، و هو أصدق القائلين في صفات أوليائه المؤمنين: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون: ١- ٢- ٣]. فمدحهم بالصلاة كما ذكرهم بالإيمان، ثم مدح صلاتهم بالخشوع كما افتتح بالصلاة أوصافهم، ثم قال في آخرها: وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ [المؤمنون: ٩]. فختم بها نعوتهم و قال في نعت عباده: المصلّين الذين استثناهم من الجزوعين من المصائب و الفقر، المانعين للمال و الخير، إلا المصلّين الذين هم على صلاتهم دائمون. ثم نسق النعوت و قال في آخرها: و الذين هم على صلاتهم يحافظون. فلو لا أنها أحبّ الأعمال إليه ما جعلها مفتاح صفات أحبائه و ختامها، و لما وصفهم بالدوام و المحافظة عليها، و مدحهم بالخشوع فيها، و الخشوع هو انكسار القلب و إخباته و تواضعه و ذلته ثم لين الجانب و كفّ الجوارح و حسن سمت و إقبال، و المداومة و المواظبة عليها و سكون القلب و الجوارح فيها، و المحافظة هي حضور القلب و إصغاؤه و صفاء الفهم و إفراده من مراعاة الأوقات و إكمال طهارة الأدوات. ثم قال تعالى في عاقبة المصلّين: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ [المؤمنون: ١٠- ١١]. فجعل أول عطائهم الفلاح و هو الظفر و البقاء، و آخره الفردوس و هو خير المستقر و المأوى. و قال في أضدادهم: من أهل النار ما سلككم في سقر. قالوا: لم نك من المصلّين. و قال موبخا لآخر منهم فلا صدق و لا صلّى. و نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن طاعة من نهاه عن الصلاة، ثم أمره بها و أخبره أنّ فيها القرب و الزلفى في قوله تعالى: أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى [العلق: ٩- ١٠]. ثم قال: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ [العلق: ١٩]. فالمصلّون بقية من خلقه و ورثة جنته من عباده و أهل النجاة من دار غضبه إبعاده جعلنا الله منهم بعطفه و رحمته. ذكر الحث على المحافظة على الصلاة و طريقة المصلّين من الموقنين قال الله سبحانه و تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً [الفتح: ٢٩] الآية. فاختار لنفسه أصحابه صلوات الله عليه ثم اختار لأصحابه الصلاة فجعلها وصفهم في الإنجيل و التوراة، فهذا يدل أنّ الصلاة أفضل الأعمال لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أفضل العمال. و سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لمواقيتها. و عن عمر رضي الله تعالى عنه: إذا رأيت الرجل حافظا