قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٥٥ - ذكر حكم المتوكل إذا كان ذا بيت
و أحسنهم يقينا أقلهم غمّا و أيسرهم أسى على ما فات من الدنيا، و أحسنهم رضا و أنفذهم شهادة من رأى أن ذلك نعمة أوجبت عليهم شكرا. و أقل الناس إيمانا و أضعفهم يقينا أشدهم أسى و أكثرهم غمّا على ما فات، و أطولهم شكوى و أقلّهم شكرا، فالمصائب محنة تكشف الزهد في الدنيا و الرغبة. أ لم تسمع إلى الحديث الذي جاء فيه هذا الدعاء: و أسألك من اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. فشدة الغمّ على فوت الدنيا دليل على حبّها و علامة ضعف اليقين بمحبوبه و سهولة الغمّ على فوتها دليل على الزهد فيها و قوة اليقين بربّه، فإن وجد المتوكل رحله بحاله لم يضرّه بتبقيته شيء و كان له أحر ما قد نوى من المعاملات. و لا أعلم هذا القول و اعتقاده عند خروج العبد من منزله أو تركه لرحله أو خروجه في سفر ينفعه شيئا و لا يضرّه، و لا يقدم ضياع شيء حكم الله ببقائه له و لا يؤخر ترك العقد لهذا تبقية ما حكم الله بذهابه. و مع ذلك فيكون له حال من التوكل و مقامات في المعاملات إلّا شيئا واحدا من باب نقصان الدنيا من طريق الورع، فإنه ينقصه و هو أنّه إن أخذ ما توكّل على الله فيه، و فوّض إليه أمره به، ثم ردّ عليه، لم يستحبّ له في الورع أن يتملّكه، و لا أن يرجع فيه في حسن الأدب، لأنه قد كان جعله صدقة في سبيل الله، فإن رجع فيه لم ينقص ذلك توكله، لأنه قد صحّ تفويضه إلى الوكيل في الحالين معا، فيكون ردّه عليه لأنه قد كان وهبه له بمنزلته ابتداء عطاء منه. و قد روينا أنّ ابن عمر سرقت ناقته فطلبها حتى أعيا. ثم قال: في سبيل الله، فدخل المسجد و صلّى ركعتين فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، أنّ ناقتك في مكان كذا، فليس نعله و قام ثم نزعها، ثم قال: أستغفر الله، و جلس فقيل له: أ لا تذهب فتأخذها فقال: إني قد كنت قلت: في سبيل الله. و حدثت عن بعضهم قال: رأيت بعض إخواني في النوم بعد موته فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي و أدخلني الجنة، و عرضت على منازلي فيها فرأيتها، قال و هو في ذلك كئيب حزين فقلت: قد دخلت الجنة و غفر لك و أنت حزين، فتنفّس الصعداء ثم قال: نعم إني لا أزال حزينا إلى يوم القيامة، قلت: و لم ذلك؟ قال: إني لما رأيت منازلي من الجنة رفعت لي مقامات في عليين ما رأيت مثلها فيما رأيت، ففرحت بها، فلما هممت بدخولها، نادى مناد من فوقها: اصرفوه عنها فليست هذه له، إنما هذه لمن أمضى السبيل فقلت: و ما أمضى السبيل؟ قيل لي: قد كنت تقول للشيء إذا ذهب منك: في سبيل الله، ثم ترجع فيه فلو كنت أمضيت السبيل لأمضيناها لك، و قد حدّثونا أن الربيع بن خيثم سرق فرسه و كان ثمنه عشرين ألفا، و كان قائما يصلّي فلم يقطع صلاته و لم ينزعج لطلبه فجاءه الناس يعزونه فقال: أما إني قد كنت