قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٥٠ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
التجارة على الغبن إذا كان عن تراض، فإذا تفاوتت القيمة و على الغبن فمكروه. و قد يروى في حديث أنّ غبن المستغفل حرام. و في حديث: فيه مقال المغبون لا محمود و لا مأجور، هذا و الله أعلم إذا تغابن و هو يعلم فيخسر نفسه حقّه و حمل غيره على ظلمه. و كان إياس بن معاوية قاضي البصرة من علماء الزمان و من عقلاء التابعين و كانت لأبيه صحبة كان يقول: لست بخب و الخب لا يغبن يعني محمد بن سيرين، و لكن يغبن الحسين و معاوية بن قرة. و كان الزبير بن عديّ يقول: أدركت ثمانية عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ما منهم رجل يحسن يشتري لحما بدرهم. و قد روي أنّ الحسن باع بغلا له بأربعمائة درهم، فلما استوجب المال قال له المشتري: اسمح يا أبا سعيد. قال: قد أسقطت عنك مائة قال له المشتري: فأحسن يا أبا سعيد. قال: قد وهبت له مائة أخرى فنقص من حقه مائتي درهم. و في رواية أخرى قال: أحسن. قال: وهبت لك مائتي درهم. فقيل له: يا أبا سعيد هذا نصف الثمن. فقال: هكذا يكون الإحسان و إلّا فلا. و قد كان الحسن و الحسين رضي الله عنهما و غيرهما من خيار السلف يستقصون في الاشتراء ثم يهبون مع ذلك الجزيل من المال فقيل لبعضهم: تستقصي في شرائك على اليسير ثم تهب الكثير و لا تبالي. فقال قائلهم: إنّ الواهب يعطي فضله و إن المغبون يغبن عقله. و قال آخر: إنما أغبن و بصيرتي. أو قال: معرفتي. و لا أمكن الغابن من ذلك، و إذا وهبت فإنما أعطى للَّه عزّ و جلّ فلا استكثر له شيئا و الأخبار في هذه المعاني تكثر و الفضائل فيها تطول. و لم نقصد جمع ذلك. فقد ذكرنا جملة و هذا كله داخل في البرّ و التقوى و من العدل و الإحسان، و من تطوع الخير و فعل المعروف فقد أمر الله بذلك في مواضع من كتابه. و ينبغي أن يستعمل النصح في البيع و الشراء و في الصنعة و يستوي عملهما في المبيع و المشتري و المصنوع و يفطن كل واحد منهما صاحبه بعيب إن كان في السلعة و ينقص إن كان في الصنعة إن لم يفطن المشتري لذلك و المستعمل ليتكافأ العلمان و يثني كل واحد منهما على صاحبه بإحسان. و في الخبر: البيعان إذا صدقا و نصحا بورك لهما في بيعهما و إذا كذبا و كتما أنزعت بيعهما. و في حديث آخر: يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا. فإذا تخاونا رفع يده عنهما. و لما بايع النبي صلى الله عليه و سلم جريرا، على الإسلام ذهب لينصرف جذب ثوبه، و اشترط عليه النصح لكل مسلم. قال: فكان جرير إذا أقام السلعة ليبيعها بصر عيوبها ثم أخبر: فقال: إنّ شئت فخذ و إن شئت فاترك. فقلنا له: رحمك الله، إنك إذا قلت هذا لم ينفذ لك بيع. فقال: إنما بايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على النصيحة لأهل الإسلام. و كان واثلة بن الأسقع واقفا بالناس في الكوفة فباع رجل ناقة