قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٧٣ - ذكر أحكام مقام الرضا
حاله بالعمل بعمله في وقته، و للعلماء مسألة قد اختلفوا فيها: في أهل المقامات ثلاث، أيهم أفضل؟ عبد يحب الموت شوقا إلى لقاء الله، و عبد يحب البقاء للكد و الخدمة للمولى، و عبد قال: لا أختار شيئا بل أرضى ما يختار لي مولاي، إن شاء أحياني أبدا و إن شاء أماتني غدا. قال: فتحاكموا إلى بعض العارفين فقال: صاحب الرضي أفضلهم لأنه أقلّهم فضولا، و هذا كما قاله في الاعتبار بترك الاعتراض و الاختيار، لأنه دخل في الدار بغير اختيار. و كذلك يكون خروجه منها على معنى دخوله بلا اختيار، لأنّ مقام الرضا أعلى من مقام التشوق، ثم الذي يليه في الفضل الذي يحب الموت شوقا إلى لقاء الله، و هذا مقام في المحبة و في حقيقة الزهد في الحياة. و في الخبر: من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، و الذي يحب البقاء للخدمة و كثرة المعاملة هو فاضل، بعد هذين مقامه قوّة الرجاء و حسن الظن في العصمة، و له أيضا مطالعات من الأنس و ملاحظات في القرب، به طاب مقامه و عنده سكنت نفسه و قصرت أيامه. و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أفضل المؤمنين إيمانا أو قال: أكمل المؤمنين إيمانا من طال عمره و حسن عمله. هذا لأن الأعمال مقتضى الإيمان إذ حقيقة الإيمان إنما هو قول و عمل، و ليس بعد هؤلاء مقام يفرح به و لا يغبط صاحبه عليه، و لا يوصف بمدح إنما هو حب البقاء لمتعة النفس و موافقة الهوى. و قد تشرف النفس على الضعفاء من أهل هذا الطريق و يختفي فيها علة، و هو أن يحب البقاء لأجل النفس و للمتعة بروح الدنيا و ما طبعت عليه من حب الحياة، و تكره الموت لمنافرة الطبع و لطول الأمل. فيتوهم أنه ممن يحب البقاء لأجل الله و طاعته. و هذا هو من الشهوة الخفية التي لا يخرجها إلا حقيقة الزهد في الدنيا، و لا يفضل في هذا الطريق الثالث إلا عارف زاهد دائم المشاهدة باليقين. فأما المعتل بوصفه و هواه فليس يقع به اعتبار في طريق و لا مقام. و اجتمع ذات يوم وهيب بن الورد و سفيان الثوري و يوسف بن أسباط فقال الثوري: قد كنت أكره موت الفجأة قبل اليوم، فأما اليوم فوددت أني مت فقال له يوسف: و لم؟ قال لما أتخوف من الفتنة فقال يوسف: لكني لا أكره طول البقاء فقال الثوري: و لم تكره الموت قال: لعلي أصادف يوما أتوب فيه و أعمل صالحا فقيل لوهيب: أي شيء تقول أنت فقال: أنا لا أختار شيئا أحبّ ذلك إليّ أحبه إلى الله قال: فقبّل الثوري ما بين عينيه و قال: روحانية و رب الكعبة، يعني مقام الروحانيين و هم المقربون أهل الروح و الريحان، و أولو المحبة و الرضوان. كما قال تعالى فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ [الواقعة: ٨٩]، يعني لهم ريح من نسيم القرب و ريحان من طيب الحب. و أيضا أنّه تعالى لما ذكر أنّ، لأصحاب اليمين في كل شدة و هول سلامة.