قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٦ - الفصل الخامس و الثلاثون فيه ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى و الحكم و افتراقهما في التفصيل و الاسم
من الإيمان. الإسلام هو ظاهر الإيمان و هو أعمال الجوارح، و الإيمان باطن الإسلام و هو أعمال القلوب. روي عن النبي صلى الله عليه و سلم: الإسلام علانية و الإيمان سرّ. و في لفظ آخر: و الإيمان في القلب. فالإسلام أعمال الإيمان و الإيمان، عقود الإسلام. فلا إيمان إلّا بعمل و لا عمل إلّا بعقد، و مثل ذلك مثل العلم الظاهر و الباطن، أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب و أعمال الجوارح. و مثله قول رسول الله صلى الله عليه و سلم: إنما الأعمال بالنية، أي لا عمل إلّا بعقد و قصد، لأنّ قوله صلى الله عليه و سلم: إنما تحقيق للشيء و نفي لما سواه، فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات، و أعمال القلوب من النيات. فمثل العلم من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان، لا يصحّ الكلام إلّا بهما، لأنّ الشفتين تجمع الحروف، و اللسان يظهر الكلام. و في سقوط أحدهما بطلان الكلام، كذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان. و لذلك عدد الله تعالى في نعمته على الإنسان بالكلام ذكر الشفتين مع اللسان في قوله تعالى: أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ [البلد: ٨- ٩]. المعنى: أ لم نجعله ناظرا متكلّما؟ فعبّر عن الكلام باللسان و الشفتين لأنهما مكان له، و ذكره الشفتين لأنّ الكلام الذي جرت النعمة به لا يتمّ إلّا بهما. و مثل الإيمان و الإسلام أيضا كفسطاط قائم في الأرض له ظاهر متجاف و أطناب، و له عمود في باطنه. فالفسطاط مثل الإسلام له أركان من أعمال العلانية و الجوارح، و هي الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط، و العمود الذي في باطن الفسطاط مثله كالإيمان لا قوام للفسطاط إلّا به، فقد احتاج الفسطاط إليهما، إذ لا استقامة له و لا قوة إلّا بهما، كذلك الإسلام من أعمال الجوارح، و لا قوام له إلّا بالإيمان، و الإيمان من أعمال القلوب لا نفع له إلّا بالإسلام، و هو صالح الأعمال. و قد عبّر الله تعالى عن الإيمان بالإسلام. فلو لا أنهما كشيء واحد ما عبّر عن أحدهما بالآخر. فقال سبحانه: فَأَخْرَجْنا من كانَ فِيها من الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ من الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥- ٣٦]، و لم يكونا بيتين إنما هم أهل بيت واحد لوط و بناته. و قال عزّ و جلّ في مثله: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [يونس: ٨٤] فعطف بقوله: إن كنتم مسلمين على قوله: إن كنتم آمنتم. فدلّ على أنهما اسمان بمعنى واحد، و هذا كقوله تعالى فيما عبر عن الأيام بالليالي، لأن اليوم مرتبط بالليلة و أنت تعلم أنهما شيئان. فقال في قصة واحدة: قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً [آل عمران: ٤١] و قال أيضا سبحانه: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا [مريم: ١٠]. و أيضا فإن الله تعالى قد جعل ضدّ الإسلام و الإيمان واحد، فلو لا أنهما كشيء واحد في الحكم و المعنى