قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣ - فهرس الجزء الثاني شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين
بسم الله الرحمن الرحيم [تتمة الفصل الثاني و الثلاثين] شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين التوكّل من أعلى مقامات اليقين، و أشرف أحوال المقرّبين. قال الله الحق المبين: إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩]، فجعل المتوكل حبيبه و ألقى عليه محبّته. و قال الله عزّ و جلّ: وَ عَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ١٢]. فرفع المتوكلين إليه و جعل مزيدهم منه. و قال جلت قدرته: وَ من يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣] أي كافية مما سواه. فمن كان الله تعالى كافية فهو شافيه و معافيه و لا يسأل عمّا هو فيه، فقد صار المتوكل على الله تعالى من عباد الرحمن الذين أضافهم إلى وصف الرحمة، و من عباد التخصيص الذين ضمن لهم الكفاية، و هم الذين وصفهم في الكتاب بقوله سبحانه: وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان: ٦٣] إلى آخر أوصافهم، و هم الذين كفاهم في هذه الدار المهمّات و وقاهم بتفويضهم إليه السيّئات بقوله تعالى: أَ لَيْسَ الله بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦]، و قوله تعالى: وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى الله إِنَّ الله بَصِيرٌ بِالْعِبادِ. فَوَقاهُ الله سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا [غافر: ٤٤- ٤٥] و ليس هؤلاء من عباد العدد فقط الذين قال الله عزّ و جلّ: إِنْ كُلُّ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا [مريم ٩٣- ٩٤]. و قال بعض الصحابة و غيره من التابعين: التوكل نظام التوحيد و جماع الأمر. و حدثونا عن بعض السلف قال: رأيت بعض العباد من أهل البصرة في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي و أدخلني الجنة. قلت: فأي الأعمال وجدت هناك أفضل؟ قال: التوكّل و قصر الأمل فعليك بهما. و قال أبو الدرداء: ذروة الإيمان و الإخلاص و التوكل و الاستسلام للربّ عزّ و جلّ. و كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول: ليس في المقامات أعزّ من التوكّل و قد ذهب الأنبياء بحقيقته و بقي منه صبابة انتشقها الصدّيقون و الشهداء، فمن تعلّق بشيء منه فهو صديق أو شهيد. و قال بعض العارفين، و هو أبو سليمان الداراني: في كلّ المقامات لي قدم إلّا هذا