قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤٨ - ذكر فرائض الاستنجاء
الأسباب قال: فدعا إلى الله تعالى من هذه الطرق فاستجاب له الجمّ الغفير، فإنما صحة التوحيد بإثبات الصفات و أوصاف الذات التي جاءت بها السنن و شريعة الرسول صلى الله عليه و سلم مع نفي الشبه و الماهية و نفي الجنس و الكيفية، ثم سكون القلب و طمأنينة العقد إلى الإيمان بهذا، و التسليم له لأجل نور اليقين الموهوب لأن هذا إنما يشهد بنور اليقين و علمه، لا بعلم العقل و نوره، لأن خالقا لا يرى بمخلوق. فالعقل مرآة الدنيا بنوره يشهد ما فيها، و الإيمان مرآة الآخرة و به ينظر إليها فيؤمن بما فيها. و الله تعالى إنما يرى بنور اليقين، و في هذا النور مشاهدة الصفات و هو حقيقة الإيمان، و أعز ما نزل من السماء و هو السكينة المنزلة في قلوب المؤمنين لمزيد الإيمان و لتعريف صفاته المؤمن معها بترك ضرب الأخبار بعضها ببعض، و معارضة بعضها بعضا أو ترتيب بعضها على بعض، بل يؤمن بكل خبر ورد في الصفات و القدرة على حدته، كما يسلم جميعها على الجملة بإسلامه و إلا أدّى ذلك إلى نفي بعضها أو إبطال جميعها، لأنّا أخذنا الإيمان بمنة الله تعالى و رحمته من قبل التصديق و اليقين و النقل، لا من قبل التقليد و حسن الظن و العقل. و أربعة أشياء تسلم و لا تعارض اعتراضا: أخبار الصفات و أصول العبادات و فضائل الأصحاب و فضائل الأعمال. و لو لا أنّ الله تعالى تولّى قلوب المؤمنين فحبب الإيمان إليها و زينه فيها، و كره الكفر و شأنه عندها، لتاهوا في الظلمات و غرقوا في بحار الهلكات لظهور الأغيار و معاينة الأسباب، و لغيب القدرة عن العيان، و لما ابتلوا به من الحجب و الأعيان. و لكن الله تعالى سلم و حبب الإيمان في القلوب، و زين و كره الكفر و العصيان و شين. و كذلك مدح المؤمنين بالغيب المستور. و من ذلك سبق المقربون بمشاهدة النور فقال سبحانه و تعالى: الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ من الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧]، فلو لا أنهم كانوا في ظلمة الطبع ما امتنّ عليهم من نور اليقين. و كذلك جاء الخبر أنّ الله تعالى خلق الخلق في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه اهتدى و من أخطأه ضلّ. و في أحد المعاني من قوله تعالى: يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب قال: يمحو الأسباب من قلوب الموحدين و يثبت نفسه، و يمحو الوحدانية من قلوب الناظرين و يثبت الأسباب و لو لا أنّ التوحيد لم يرسمه عارف قط في كتاب و لا كشفه علام في خطاب، لعجز علوم العموم عن درك شهادته، و لسبق إنكاره القول لضعفها عن حمل مكاشفته، لذكرنا من ذلك ما يبهر القول و يبهت ذوي المعقول. و لكنا كرهنا أن نبتدع ما لم نسبق إليه، أن نظهر ما يضطرب العقول بالحيرة فيه، خفنا من عدم النصيب مما نذكره، فيعود على السامعين من نفعنا ضرورة. و حقيقة علم التوحيد