قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٥٥ - الفصل الثالث و الأربعون فيه كتاب حكم الإمام و وصف الإمامة و المأموم
بأواخر المفصل و آخر صلاة صلّاها رسول الله صلى الله عليه و سلم المغرب قرأ فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم سورة و المرسلات ما صلّى بعدها حتى قبض صلى الله عليه و سلم. و قال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم من أخفّ الناس صلاة في تمام ثم قال أيضا: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمر بالتخفيف في الصلاة و إن كان ليؤمنّا بسورة و الصافات. و قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الرخص إذا صلّى أحدكم بالناس فليخفّف فإن فيهم الكبير و الضعيف و ذا الحاجة، و إذا صلّى لنفسه فليطول ما شاء، و قد كان معاذ بن جبل يصلي بقومه صلاة العشاء الآخرة فافتتح بسورة البقرة، فخرج رجل من الصلاة و أتمّ لنفسه، ثم انصرف فقالوا: نافق الرجل، ثم تشاكيا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأشكى الرجل وزر معاذ و قال: أ فتّان أنت؟ اقرأ بسورة سبّح و السماء و الطارق و الشمس و ضحاها، و ليسبّح في ركوعه و سجوده سبعا أو خمسا ليدرك من وراءه ثلاثا ثلاثا لأنهم يركعون و يسجدون بعده. و روينا أنّ أنس بن مالك لما صلّى خلف عمر بن عبد العزيز كان أميرا بالمدينة قال: ما صليت بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل صلاة هذا الشاب قال: و كنا نسبّح وراءه في الركوع و السجود عشرا عشرا، فإن قرأ في الأخيرتين من الظهر و العصر و عشاء الآخرة بعد الحمد بسورة قصيرة أو آيتين من سورة فحسن ليدرك من وراءه قراءة الحمد على مهل. و قد اختلف مذهب السلف في الإمام يكون راكعا فيسمع خفق النعال هل ينتظر في ركوعه و يتوقّف حتى يدخلوا في الركعة أو لا يباليهم؟ فقال بعضهم: ينتظر حتى يلحقوا معه و ممن اختاره الشعبي. و قال آخرون: لا ينتظرهم فإن حرمة من معه في الصلاة أعظم من حرمة من تأخر عنها، و قال بهذا إبراهيم النخعي، و كذلك قال فقهاء الحجاز: لا ينتظرهم فإنه زيادة في الصلاة، و من الإخلاص بها ترك التوقف بها لأجلهم. و قال بعض فقهاء الكوفة إن انتظرهم فحسن ليدركوا معه الجماعة فيكون له فضل إدراكهم. و قد قدم عثمان القنوت قبل الركوع في صلاة الغداة ليدركوا الناس الركوع، و الذي عندي في هذا التوسط و هو أنه ينتظر فإن سمع خفق نعالهم في أوّل ركوعه فلا بأس أن يمدّ حتى يلحقوا، و إن سمعها في آخر ركوعه عند رفع رأسه لم أحبّ أن لا يزيد في الصلاة لأجلهم فليرفع و لا يبالي. و أفضل التشهد عندي الذي رواه ابن مسعود و جابر. و قد اختلفت الروايات في ألفاظ التشهد و الذي اختاره، و أقوله ما رويناه عن عبد الله بإثبات الواوات، و بتقديم اسم الله عزّ و جلّ في أوله، و بزيادة المباركات، فأكون بذلك جامعا بين جميع الروايات لأن في حديث عمر ذكر