قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢٢ - باب ذكر تفصيل بيان ما نقل عن المحدثين من التفرقة بينهما و ما جاء في معناه
أظهر تفصيلا و أبين ترتيبا. و هذا مثل الخبر الذي روي أنّ النبي صلى الله عليه و سلم سئل: أي الإيمان أفضل؟ قال: الإسلام قيل: فأي الإسلام خير؟ قال الإيمان. فلم يفرّق بينهما، و لكنه خصّص فجعل الإيمان حقيقة الإسلام و خالصه لأنه أخبر أنه منه فهذا من قوله: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، أي من تحقّقه بالإسلام و من أعلى إسلامه، هذا الوصف، و هذا هو نعت المؤمن الموقن الزاهد و هذا يشبه ما مثله أبو جعفر محمد بن علي في أنه أدار دائرة كبيرة و أدار فيها دارة صغيرة تخصيصا. و جميع ما شرحناه و ذكرناه عن السلف يبطل قول المرجئة و الكرامية الإباضية و يدحض دعواهم، في أنّ الإيمان قول أو معرفة و عقد بلا عمل. و هو أيضا ردّ على المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين، الذين يقولون: مؤمن، و فاسق، و كافر، فلا يجعلون الفاسق مؤمنا و هو ردّ على الحشبية و الجرمية و القطعية و الحرورية. أصناف من الخوارج يقولون: من أتى كبيرة خرج من الإيمان، و أن أهل الكبائر كفّار يحلّ قتلهم، و يقولون إنّ أهل البغي من الأئمة كفرة يجب على الرعية قتالهم، و منهم من يقول: إنّ من بغى على الإمام فقد كفر بخلاف قول الله تعالى: وَ إِنْ طائِفَتانِ من الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ الله [الحجرات: ٩]. فأمر بقتال أهل البغي بتسميته إياهم مؤمنين و لم يجعل لهم منزلة ثالثة، و قد ابتلينا بطائقتين مبتدعتين متضادتين في المقالة المرجئة و المعتزلة. قال المرجئة: إنّ الموحدين لا يدخلون النار، و إن عملوا بالكبائر و الفسوق كله لأن ذلك لا ينقص إيمانهم. و قالت المعتزلة: إن ليس الفاسق بمؤمن و إن مات على صغيرة من الصغائر من غير توبة دخل النار لا محالة و لم يخرج منها خالدا من الكفار، و الصواب من ذلك أنّ الفاسق مؤمن لا يخرجه فسقه من اسم الإيمان و حكمه، و لكن لا يدخله في المؤمنين حقّا من الصديقين و الشهداء، و أنّ أهل الكبائر قد استوجبوا الوعيد و دخول النار. و جائز أن يعفو الله تعالى عنهم بكرمه و يسمح لهم بجوده. كما روينا عن عليّ أنه قال: عليكم بالنمط الأوسط الذي يرجع إليه الغالي و يرتفع عنه القالي. و قد قال صلى الله عليه و سلم في وصف علماء السنة و مدحهم: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين، فالغالون هم المجاوزون للسنن و الآثار، و المبطلون هم المدعون بالرأي و القياس، و الجاهلون هم الشاطحون من المتصوّفة الضلال. و عدول كل خلق من اتّبع سنّة صالح من سلف، و لم يبتدع في الدين، و لا اتخذ وليجة دون طريق المؤمنين، و هم رواة الأخبار و جملة الآثار من المحدثين و فقهاء المسلمين. و يوضح قولنا و يصححه قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ