قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٨٠ - الفصل التاسع و الثلاثون في ترتيب الأقوات بالنقصان منها أو بزيادة الأوقات
يمشون بلا عقول، عقلوا حيث ذهبت عقول الناس، لهم الشرف في الآخرة. يا أسامة إذا رأيتهم في بلدة فاعلم أنهم أمان لتلك البلدة، لا يعذّب الله عزّ و جلّ قوما هم فيهم. الأرض بهم رحيمة، و الجبّار عنهم راض، اتخذهم لنفسك أخدانا عسى أن تنجو بهم، و إن استطعت أن يأتيك الموت و بطنك جائع و كبدك ظمآن فإنك تدرك بذلك شرف المنازل و تحلّ مع النبيّين، و تفرح بقدوم روحك الملائكة، و يصلّي عليك الجبّار عزّ و جلّ. و ممن اشتهر بالطيّ و كثر النقل عنه بذلك الخمس عشرة يوما إلى عشرين إلى شهر، جماعة من العلماء يكثر عددهم، منهم: ابن عمرو العوفي، و عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، و إبراهيم التميمي، و حجاج بن قرافصة، و حفص بن العابد المصيصي، و المسلم بن سعد، و زهير البنائي، و سليمان الخواص، و سهل بن عبد الله، و إبراهيم الخواص. و قد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يطوي ستا، و كان عبد الله بن الزبير يطوي سبعة أيام. و كان أبو الجوزاء صاحب ابن عباس يطوي سبعا. و روي أن الثوري و إبراهيم بن أدهم كانا يطويان ثلاثا ثلاثا، و قد رأينا من كان يطوي تسعا و خمسا، و كثيرا ممن يطوي ثلاثا ثلاثا. و قد قال بعض العلماء: من طوى أربعين يوما من الطعام ظهرت له قدرة من الملكوت. و كان يقول: لا يزهد العبد حقيقة الزهد الذي لا مشوبة فيه إلّا بمشاهدة قدرة من غيب الملكوت. و بعضهم يقول: لا يوقن العبد يقينا ثابتا بحكم عليه لاستقامة فيه، و لبسة حال لازمة، و علم نافذ في الملكوت، إلّا بمشاهدة قدرة من قدرة الغيب، برأي عين تظهر له بشهادة دائمة، يقوم بها و يضطره، فعند هذا يعرف من الله تعالى، و منه المخصوص القيوم به، و يصحّ لعبد مراد بهذا الطريق المنهج أربعين في سنة و أربعة أشهر، على ما نزلنا من تأخير الأوقات وقتا بعد وقت، و رتبنا من رياضة النفس في الأوقات حتى تندرج الليالي في الأيام، و تدخل الأيام في الليالي، فتكون الأربعون بمنزلة يوم واحد و ليلة واحدة، و هذا طريق بعض المقربين، لا يقدر عليه إلّا مراد به، محمول فيه، مكاشف بشهادة تشغله عن نفسه، و تقطعه عن طبعه و عادته، و تنسيه جوعه، و يكشف له حقيقته و مرجوعه. و قد عرفنا من كان فعل ذلك، و ظهرت له آيات من الملكوت، و كشف له عن معاني قدرة من الجبروت، تجلى الله له عزّ و جلّ بها و منها كيف شاء. و قد وقف بعض هذه الطائفة على راهب فذاكره بحاله، و طمع في إسلامه، و ترك ما هو عليه من الغرور، فكلمه في ذلك بكلام كثير إلى أن قال له الراهب: فإن المسيح كان يطوي أربعين يوما و أن معتقد إعجاز هذا و أنه لا يكون إلّا النبي. فقال له الصوفي: فإن طويت خمسين يوما ما تترك ما أنت عليه و تدخل في دين الإسلام، و تعلم أنّ ما نحن عليه حقّ و أنك على باطل؟ قال: نعم