قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٩٨ - ذكر فضائل الحج و آدابه و هيئاته و فضائل الحجاج و طريق السلف السالكين للمنهاج
في كل يوم مائة و عشرين رحمة، ستون للطائفين، و أربعون للمصلين، و عشرون للناظرين. و في الحديث: استكثروا من الطواف بالبيت فإنه من أقل شيء تجدونه في صحفكم يوم القيامة، و أغبط عمل تجدونه، و لا تتحدث في طوافك. و عليك بكثرة ذكر الله سبحانه و تعالى من التسبيح و التهليل و الحمد و تلاوة القرآن و امش بسكينة و وقار و خشوع و انكسار، و لا تزاحمنّ أحدا، و أقرب من البيت ما أمكن، و استلم الركنين اليمانيين مع تقبيل الحجر في كل وتر من طوافك إن أمكن. و قد روينا في الخبر: من طاف بالبيت حافيا حاسرا كان له كعتق رقبة. و من طاف أسبوعا في المطر غفر له ما سلف من ذنوبه. روي ذلك عن الحسن بن علي قاله لأصحابه و رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم: و اتق الهمة الردية و الأفكار الدنية. فيقال: إنّ العبد يؤاخذ بالهمة في ذلك البلد. و عن ابن مسعود: ما من بلد يؤاخذ العبد فيه بالإرادة قبل العمل إلّا بمكة. و قال أيضا: لو همّ العبد أن يعمل سوءا بمكة عاقبة الله تعالى، ثم تلا: وَ من يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ من عَذابٍ أَلِيمٍ، يعني أنه علق العذاب بالإرادة دون الفعل. و يقال: إنّ السيّئات تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات، و إنّ السيّئات التي تكتسب هنالك لا تكفر إلّا هناك. و كان ابن عباس يقول: الاحتكار بمكة من الإلحاد في الحرم. و قيل: الكذب فيه من الإلحاد. و روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. لأن أذنب سبعين ذنبا بركية أحبّ إليّ من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة، و ركية منزلة بين مكة و الطائف، و قد كان الورعون من السلف منهم عبد الله بن عمر، و عمر بن عبد العزيز، و غيرهما يضرب أحدهم فسطاطا في الحرم و فسطاطا في الحلّ. فإذا أراد أن يصلي أو يعمل شيئا من الطاعات دخل فسطاط الحرم ليدرك فضل المسجد الحرام، لأن المسجد الحرام عندهم في جميع ما يذكر إنما هو الحرم كله. و إذا أراد أن يأكل أو يكلّم أهله أو يتغوّط خرج إلى فسطاط الحل. و يقال: إنّ آل الحجاج في سالف الدهر كانوا إذا قدموا مكة خلعوا نعالهم بذي طوي تعظيما للحرم. و قد سمعنا من لم يكن يتغوّط و لا يبول في الحرم من المقيمين بمكة و رأينا بعضهم لا يتغوّط و لا يبول حتى يخرج إلى الحلّ تعظيما لشعائر الله تعالى، و تنزيها لحرمه و أمنه. و أعمال البرّ كلها تضاعف بمكة، و الحسنة بمائة ألف حسنة على مثال الصلاة في المسجد الحرام. روي معنى ذلك عن ابن عباس و أنس، و عن الحسن البصري: أنّ صوم يوم بمائة ألف و صدقة درهم بمائة ألف درهم. و يقال: إنّ طواف سبعة أسابيع يعدل عمرة، و إنّ ثلاث عمر تعدل حجة، و إنّ العمرة هي الحجة الصغرى، و هذا في دليل الخطاب من قوله تعالى: يوم الحج الأكبر، فدل أنّ الحج الأصغر هو العمرة، و من