قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٧٧ - ذكر أحكام مقام الرضا
قلت كلمة فأنا أستغفر الله منه ثلاثين سنة يعني قوله الحمد للَّه. و قد جاء في الخبر: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس من المسلمين. و في الخبر المشهور: أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله و البغض فيه، فجعل ذلك من أوثق العرى لأنه منوط بالإيمان. لا يستطيع الشيطان حلّه و لا سلطان له عليه، كما لا سبيل له على حل الإيمان لأن الله يحول بينه و بينه. و قد تولى تأبيد الإيمان بروحه بعد كتبه في القلوب برحمته و في الحبّ في الله الولاة و النصرة بالنفس و المال و الفعل و المقال، و في البغض في الله ترك ذلك فبغض المبتدع و الفاجر المجاهر و الظالم المعتدي، و ترك موالاتهم و نصرتهم واجب على المؤمنين. فلأجل ذلك صارت الموالاة لأولياء الله و المعاداة لأعدائه من أوثق عرى الإيمان لأنك قد تعصي و تخالف مولاك تسليط العدوّ و غلبة هواك، إلّا أنّك تبغض العاصين و لا تواليهم على المعاصي، و لا تحبهم لأجلها من قبل أنّ العدو لم يسلط على حل عقد إيمانك، كما سلط على فعله من نفسك. كما أنه لم يسلط على حل عقد إيمانك كما سلط على حل المراقبة و الخوف منك، و لم يسلط أيضا عليك في استحلال المحارم و لا استحسانها و لا التدين بها، و لا في ترك التوبة منها و لا بالرضا بها كما سلط عليك بافتراقها، فإن سلط على مثل هذا منك العدو حتى تحب الفساق و تواليهم و تنصرهم على فسقهم، أو تستحيل ما ارتكب من الحرام أو ترضى به أو تدين به، فقد انسلخ منك الإيمان كما انسلخ النهار من الليل، فلست منه في كثير و لا قليل لأنّ هذه العقود منوطة بعرى الإيمان، و هي و هو في قرن واحد مقترنان. أ لم تسمع الله تعالى يقول: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ من دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ من يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ من الله في شَيْءٍ [آل عمران: ٢٨]، أو ما سمعته تعالى يقول: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَ من يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: ٥١]، و مثله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ من دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٢٨]، أ تريدون أن تجعلوا للَّه عليكم سلطانا مبينا أي حجة قاطعة، أن يجمعكم و إياهم في النار. و كذلك قال الله تعالى: وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَ الله وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية: ١٩]، و قال تعالى: وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: ١٢٩]، ثم قال تعالى: وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ [النساء: ١١٥]، و قد روينا في خبر أنّ الله تعالى أخذ على كل مؤمن في الميثاق أن يبغض كل منافق، و أخذ على كل منافق أن يبغض كل مؤمن، و في الخبر المشهور: المرء مع من أحبّ و له ما احتسب.