قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٩ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
[الأنعام: ٦٨]. و كلهم عبيد لواحد و مثل المحبوب من المحبّ مثل مقام المصطفى صلى الله عليه و سلم من مقام موسى عليه السلام. قال موسى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. و قال لمحمد: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ و قال موسى: وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً من أَهْلِي هارُونَ أَخِي. و قال لمحمد: وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ، أي تقرن بي في الشهادة و الآذان، لا أوازرك بغيري لأنك من أهلي، و الوزير القرين و الظهير، أي فأنت من أهلي فقد وزرتك و قرنتك بذكري، فأنا ظهيرك و معينك لا أشد أزرك بغيري، فأشبه هذا ما رويناه عن ليث عن مجاهد في قوله عزّ و جلّ: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [الإسراء: ٧٩]، قال يقعده على العرش فكان العرش مكان الربوبية بمشيئته في الدنيا و هو مستغني عنه بقدرته، فوهبه لحبيبه في الآخرة فجعله مكانه تفضّلا له و تشريفا، ليكون هناك فوق المرسلين في الجلالة. كما كان هاهنا آخرهم في الرسالة. و قال لموسى عليه السلام بعد المقام: قد أوتيت سؤلك يا موسى و لقد مننّا عليك مرة أخرى. ففي هذا تحديد. و قال لمحمد عليه السلام بعد المقامات و قل: ربّ زدني علما فلم يحد له حدّا، فهذا غاية المزيد. و قال موسى عليه السلام ربّ أرني أنظر إليك أي في محل العبودية، و قال لمحمد عليه السلام: ما زاغ البصر و ما طغى، فكان قاب قوسين أو أدنى، أي مكان الربوبية. فبين المحبّ و المحبوب في التقليب، كما بين موسى و محمد عليهما السلام في التقريب، كم بين من رأى ما رأى عند نفسه في مكانه و بين من رأى ربّه في علوه، كم بين من عجل إليه شوقا منه ليرضى عنه و بين من عجل به شوقا إليه ليرضاه إليه لرضاه عنه، كم بين من رأى ما رأى فلم يثبت، ففاضت عليه الأنوار لضيقه، و بين من رأى ما رأى فثبت له و غاضت فيه الأنوار لسعته، فقد جاوز المحبوب مقام المحبّ في التمكين، كما جاوز محمد صلى الله عليه و سلم مقام موسى عليه السلام في المكان أدخل بينه و بين موسى لام الملك و أقام محمدا مقامه في الملك. و قال تعالى لموسى: وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه: ٤١]. و قال لمحمد: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله [الفتح: ١٠]. فكم بين من صنعه لنفسه و بين من جعله بدلا من نفسه تفضلا و تعظيما، كم بين من فصل مدحه من وصفه و بين من وصل مدحه بوصفه. فقال تعالى في الفصل: وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَ لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [طه: ٣٩]. و قال في الوصل: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩] الآية. و قال في مثله: و الله و رسوله أحق أن ترضوه. و قد قيل في قوله تعالى: يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَ كُنْ من الشَّاكِرِينَ