قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٤ - ذكر إثبات الأسباب و الأواسط لمعاني الحكمة و نفي أنها تحكم و تجعل لثبوت الحكم و القدرة
لمحدود و لا حدثان، و إن قلت قال صالح و قال شعيب فقد قالوه بأنهم ثوان في القول و أواسط به. و قالوا ذلك عنه بحدوث أوقات و ظهور أسباب، كذلك الأسباب في أواسطها فهي ثوان عن الأوّل المبدئ، و من هاهنا، و في مثله دخلت الشبهة على المبتدعين فقالوا بخلق القرآن. فلو لم يدخل عليهم إلا إنهم جعلوا قول القائلين قبل قول الله أحكم الحاكمين، فأثبتوا قبل قوله قيلا و هو القول منهم لنفيهم قدم الكلام، فوقعوا بجهلهم في أعظم مما هربوا منه لأنهم هربوا من إثبات قديم آخر بزعمهم، فوقعوا في إثبات حدث أوّلا و إحداث قدم ثانيا. تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوا كبيرا و سبحانه بكرة و أصيلا. و لم يعلموا بجهلهم أنهم إنما قالوا بعد قوله، فصار قولهم عن قوله، و كان هو الأوّل في القول من حيث كان هو الأوّل بالقدم و السابق بالعلم. و صاروا هم ثوان في المقال من حيث كانوا حوادث من الأفعال. فكذلك أيضا تدخل الشبهة على الغافلين من ضعف اليقين لشهود المانعين و المنفقين أوائل في الفعل من قبل أنّ الله تعالى أظهر العطاء و المنع بأيديهم، فشهدوهم معطين مانعين لنقصان توحيدهم فأشركوا في أسماء الله كما أشركت المبتدعة في صفات الله عزّ و جلّ أن حجبوا عن شهادة سبق علم الله كما حجب الزائقون عن حقيقة توحيد الله تعالى. إلا إنّ شرك الزائغين ضلال ينقل عن الملة و هو شرك جلي و شرك ضعفاء اليقين غفلة و جهل لا ينقل عن الملة لأنه شرك خفي. و حكي أنّ بعض العلماء صلّى خلف رجل، فلما انفتل الإمام نظر إليه في زي غير مكتسب فقال: يا شيخ من أين تأكل؟ فقال: اصبر حتى أعيد الصلاة التي صليتها خلفك ثم أجيبك. و حدثونا في معناه عن آخر أنه لزم العكوف في المسجد و لم يكن ذا معلوم من عيش فقال له الإمام: الذي يصلّي بالناس لو تكسّبت و تعبّست كان أفضل لك فلم يجبه، فأعاد عليه وقتا آخر نحو ذلك، فقال يهوديّ في جوار المسجد: قد ضمن لي كل يوم رغيفين فقنعت بذلك و تركت التكسّب. فقال الإمام: إن كان صادقا في ضمانه فإن عكوفك في المسجد خير لك، فقال له الرجل: يا هذا أنت لو لم تكن إماما للمسلمين تقوم بينهم و بين الله لنقص توحيدك كان خيرا لك. و حدثت أنّ الله تعالى أوحى إلى بعض الصدّيقين: أدرك لي لطف الفطنة و خفيّ اللطف فإني أحبّ ذلك. قال: يا رب و ما لطف الفطنة؟ قال: إن وقعت عليك ذبابة فاعلم أني أوقعتها فسلني أرفعها. قال و ما خفيّ اللطف؟ قال: إن أتتك فولة مسوّسة فاعلم أني قد ذكرتك بها، و هذا الذي ذكرناه من أنّ الله سبحانه و تعالى هو المعطي المانع الضارّ النافع حيث كان، هو الخالق الرازق كيف شاء، و متى شاء، و بمن شاء، هو في عقود عموم