قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٣٤ - الفصل السادس و الأربعون فيه كتاب ذكر دخول الحمام
العريان: متى كفّ بصرك يا هذا؟ فقال الأعمش منذ هتك سترك. و حكى الشافعي عن مالك رضي الله عنهما ثلاثة أشياء فيها، ذلة حضور المجلس بغير محيرة و لا صحيفة، و ركوب السفينة بلا زاد، و دخول الحمام بغير كرنيب قال: فقلت للشافعي رضي الله عنه: لم تذكر المئزر فقال: قد أحسن ترك المئزر فسوق. و قال النبي صلى الله عليه و سلم: دخول الحمام على النساء حرام و على الرجال إلّا بمئزر. و قد كان عمر رضي الله عنه يقول: الحمام من النعيم الذي أحدثوه. و في أحد الوجوه من قوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: ٨]، قال: الماء الحار في الشتاء و لا بأس أن يباشره رجل بالتدليك خلا موضع العورة. حدثني بعض إخواني عن بعض أهل العلم أنه دخل معه الحمام قال: فأردت أدلكه فأمتنع قال: ثم دخلت معه بعد ذلك فجعلت أدلكه فلم يمتنع فقلت له: قد كنت امتنعت أول مرة قال: كنت أعلم فيه أثرا ثم وجدت بعد ذلك أصبغ الراشني أنّ رجلا دلكه في الحمام فرأى على فخذه مكتوب الله بعرق في جسده فقال: أما تنظر أما أنه ما كتبه إنسان. و في ذلك أيضا أثر عن يوسف بن أسباط أنه لما حضرته الوفاة أوصى أن يغسله فلان إنسان لم يكن من أصحابه و لا كان معروفا بفضل، فقيل له في ذلك فقال: أنه قد كان مرة دلكني في الحمام و لم أكافئه على ذلك و أنا أعلم أنه يحب أن يغسلني فأوصيت إليه فيكون ذلك مكافأة مني له. و يصلح أن يستدل على ذلك أيضا بتجويز الغمز للجسد و الظهر. فقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه نزل منزلا في بعض أسفاره. قال بعض أصحابه: فذهبت أمشي أتخلل النخل أو قال الشجر، فإذا رسول الله صلى الله عليه و سلم نائم على بطنه و عبد أسود يغمز ظهره فقلت له: ما هذا يا رسول الله فقال: أما أنّ الناقة تقحمت بي. و قال بعضهم: لا يحلّ دخول الحمام إلّا بمئزرين مئزر لوجهه و مئزر لعورته. و رأى ابن عمر رضي الله عنه رجلا عريانا فخرج و هو يقال: أعوذ باللَّه من الشيطان رأيت شيطانا. و قال مالك رضي الله عنه: من دخل الحمام و خرج عريانا فلا شهادة له، و إن كان قاعدا عند الحوض ليغسل فلا بأس، و غسل الرجلين بالماء البارد عند الخروج من الحمام أمان من النقرس، و التنور بعده قبل غسل الوجه يشيّب اللحية و الخنا بعد. يقال: إنه أمان من الجذام و يستحبّ أهل الطب البول قائما في الحمام بعد الإينار و قبل غسل النورة. و أمر بعض أطباء العرب بالنورة في كل شهر و أخبر أنه يطفئ المرارة و ينقي اللون و أنها تزيد في الجماع و في السنّة الاستحداد في كل أربعين يوما لا يستحبّ مجاوزة ذلك. و بعض زهل الطّب يقول: بولة في الحمام في الشتاء أنفع من شربة دواء، و البول في المستحم مكروه من جهة السنّة.