قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٤٣ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
الأجرة عليه شبهة. و قد كان بعض السلف يقول: تخيّروا لأولادكم الصنائع. و روي عن حذيفة: أنّ الله عزّ و جلّ خلق كل صانع و صنعته. و قد كانوا يكرهون بيع الطعام و بيع الدقيق. و قد روي في كراهة بيعها حديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم. و في الخبر: أنّ الله عزّ و جلّ يحب العبد الحاذق في صنعته. و في خبر آخر: أنّ الله عزّ و جلّ إذا عمل عبده عملا أحبّ أن يحكمه. و في لفظ آخر: أن يتقنه. و أوصى بعض العارفين رجلا فقال: لا تسلم ولدك في بيعتين و لا في صنعتين، بيع الطعام و بيع الأكفان. فإنما يتمنى الغلاء و يتمنى موت الناس، و الصنعتان أن يكون جزارا فإنها صنعة تقسي القلب، أو صوّاغا فإنه يزخرف الدنيا بالفضة و الذهب. و روى عثمان الشحام عن ابن سيرين أنه كره الدلالة، و سعيد عن قتادة أنه كره أجر الدلال. و كانت العرب تقول: بع الحيوان و اشتر الموتان كأنهم كرهوا ردّ الثمن في الحيوان لما يخافون من تفله و استحبوا شراء الموات و هو ما لا روح فيه، و قد كانوا يستحبون التجارة في البز. قال ابن المسيب: ما من تجارة أحبّ إليّ من البزاز إن لم يكن فيه إيمان. و قد روي خبرا آخرا: لو اتّجر أهل الجنة لاتّجروا في البزّ، و لو اتّجر أهل النار لاتّجروا في الصرف. و قد كره الحسن و ابن سيرين رضي الله عنهما التجارة في الصرف. و سئل الحسن عن الصيرفي فقال: الفاسق لا تستظلنّ بظله و لا تصلّين خلفه، و البستاني و الحمّال و الملاح و صاحب الحمام و الخشاش و المزين و قد كانت هذه الصنائع العشر أعمال الأخيار و الأبرار الخرز و التجارة و الحمل و الخياطة و الحذو و القصارة و عمل الخفاف و عمل الحديد و عمل المغازل و صيد البر و البحر و الوراقة. و حدثونا عن عبد الوهاب الورّاق قال: قال لي أحمد بن حنبل: ما صنعتك؟ فقلت: ورّاق. فقال: كسبك طيب و صنعتك طيبة و لو كنت صانعا شيئا بيدي لصنعت صنعتك. و قال لي: لا تكتب إلّا مواصفة و استثن الحواش و ظهور الأجزاء. و كان مالك بن دينار ورّاقا و كان السلف يستطيعون كسبه و يفضلونه، و كل عمل يتقرّب به إلى الله عزّ و جلّ و يكون من أعمال الآخرة و من البرّ المعروف. فأخذ الأجر مكروه عليه مثل تعليم القرآن، و تعليم العلم، أو مجالس الذكر و الصلاة بالناس في رمضان، و غسل الموتى، و ما كان في هذا المعنى، لأن هذه تجارات الآخرة، فلا تأخذ أجرها إلّا من الآخرة، و من أخذها من الدنيا فقد خسر خسرانا مبينا إذا ربح المحتسبون فيها و أخذوا أجورهم التي صبروا عليها في دار الدنيا. و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم لعثمان بن أبي العا و اتّخذ مؤذنا لا تأخذ على الأذان أجرا.