قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٤١ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
للدين، مخبثة للكسب. فإن أشكل عليه شيء من هذه الأمور لخفائها سأل أهل العلم و الفتيا فيأخذ عنهم على مذهب الورعين و رأي المتّقين، و ليحتط لدينه، و لينظر لنفسه و لا يغمض في أمر آخرته، فذلك خير له و أحسن توفيقا، و ليجتنب الصنائع المحدثة من غير المعروفة و المعايش المتبدعة في زماننا هذا، فإن ذلك بدعة و مكروه إذا لم يكن فيما مضى من السلف. و كلما كان سببا للمعصية من آلة و أداة فهو معصية، فلا يصنعه و لا يبيعه، فإنه من المعاونة على الإثم و العدوان، و كلما أخذ من المال على عمل بدعة أو منكر فهو بدعة و منكر، و كل معين لمبتدع أو عاص فهو شريكه في بدعته و معصيته، و أخذ المال على جميع ذلك من أكل المال بالباطل، و من أكل الحرام فقد قتل نفسه و قتل أخاه لأنه أطمعه إياه، قال الله تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة: ١٨٨]. و قال تعالى: وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩]. و ليس هذا من سبيل المؤمنين. و قد قال الله تعالى: وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ [النساء: ١١٥]. و لا ينبغي للسوقي أن يشغله معاش الدنيا عن الآخرة، و لا تقطعه تجارة الدنيا عن تجارة الآخرة، و لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة، لأنه من الموقنين، و بيوت الله عزّ و جلّ في الأرض هي أسواق للآخرة. قال الله عزّ و جلّ: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ [النور: ٣٧]. و قال الله عزّ و جلّ: في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ [النور: ٣٦]. رجال. فليجعل العبد طرفي النهار لخدمة سيده يذكره و يسبحه في بيته بحسن معاملته. و قد كان عمر رضي الله عنه يأمر التجار فيقول: اجعلوا أول نهاركم للَّه عزّ و جلّ و ما سوى ذلك لنفوسكم. و في أخبار السلف كانوا يجعلون أول النهار للآخرة و آخره لدنياهم. و يقال: إنّ الهريسة و الرءوس لم يكن يبيعها في الشتاء إلّا الصبيان و أهل الذمة لأن الهراسين و الرآسين يكونون في المساجد إلى طلوع الشمس. و يقال إنهم: كانوا يجتمعون في المساجد بعد العصر للذكر و التسبيح حتى يدخل الرجل فيقول: أ صلّيتم العصر؟ يظن أنهم قعود للصلاة، و إنما كانوا يقعدون للتسبيح إلى غروب الشمس و هذا طريق قد درس. فمن عمل به فقد كشفه. و قال بعض العارفين: الناس ثلاثة، رجل شغله معاده عن معاشه فتلك درجة الفائزين، و رجل شغله معاشه لمعاده فتلك درجة الناجين، و رجل شغله معاشه عن معاده فهو حال الهالكين. و قال عالم فوقه: من أحبّ الله عاش و من أحبّ الدنيا طاش، و الأحمق يغدو و يروح في لاش. و كان ابن عمر رضي الله عنه إذا دخل السوق يقول: اللهم إني أعود بك من الكفر و الفسوق و من شرّ ما أحاطت به السوق. اللّهم إني أعوذ بك من