قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٤ - ذكر استواء شهادة المتوكل مع اختلاف ظهور الأسباب
الدواء بالخبز جائز له، لا يقدح في توكله لأنه مباح له مأمور به، فإن نوى بالتكسب القوّة على الطاعة و السعي في سبيل الله و المعاونة على البرّ و التقوى، كان فاضلا فيه. و إن نوى بالتكسب الأكل للشهوات و القيام بحظوظ النفس من الرفاهية نقص ذلك من توكله و أخرجه من حقيقته، فكان طريقا من طرقات الدنيا إلّا أنّه مباح. و إن قصد بتكسبه التكاثر و الحرص و الجمع و المنع كان عاصيا بكسبه مخالفا لربّه، و هذا من أكبر طرق الهوى. ثم إن لم يتكسب و صبر على الجوع و رضي بالقلة و الفقر، فإن رزقه يأتيه لا محالة لمجيء وقته. و إن كان قليلا دون سعة، و لكنه يحتاج إلى فضل صبر، و حسن رضا، و سكون نفس، و طمأنينة قلب، فإن وجد هذه المعاني فهذا هو التوكل، و كان فاضلا في ترك التكسب بحسن يقينه و ثقته برازقه و شغله بما هو أفضل و أنفع له في عاقبته. و إن تشتت همته، و اضطربت نفسه، و تكره قضاء ربه، فأخرجه ذلك إلى الجزع و الهلع و التبرم و الشكوى، فالتكسب لهذا أفضل و هو منقوص بتركه. كذلك أيضا من أكبر الشكوى من علّته و تسخط حكم ربّه و تبرم و ضجر وسطا على الناس، و ساء خلقه بمرضه فإن الأفضل لهذا أن يتداوى و هو ناقص بتركه. و روينا عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم، أنّ من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، و أن تحمدهم على رزق الله، و أن تذمهم على ما لم يؤتك الله. إنّ رزق الله لا يجره حرص حريص، و لا يرده كره كاره. إنّ الله بحلمه و جلاله جعل الروح و الفرح في الرضا و اليقين، و جعل الغم و الحزن في الشك و السخط. ذكر استواء شهادة المتوكل مع اختلاف ظهور الأسباب و يستوي عند الخصوص بعين يقينهم ما جاءهم بواسطة أيديهم. و أسباب كسبهم و ما جاءهم بأيدي غيرهم و بغير كسبهم إذا كان المعطي عندهم واحدا و العطاء كله رزقا إذ كانت الأيدي ظروف العطاء فيستوي و كان الظرف يدك أو يد غيرك. و سواء كان الكسب كسبك أو كسب غيرك لك إذ جميعه رزقك، و لأنّ لكل شيء حكما و في كل شيء حكمة و بكل شيء نعمة. قال الله تعالى: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في الْبِلادِ [الفجر: ٧- ٨] فأضافها إليه في الخلق بعد أن بنوها بأيديهم و فرغوا منها. و مثل هذين أيضا يستوي عندهم ما ظهر بيد القدرة لا خلق فيه و لا واسطة به، و ما ظهر بأيديهم عن الحكمة و ترتيب العرف، لأن القدرة أيضا بمنزلة ظرف للعطاء ظهر العطاء بها، فهي كأيدي العباد من يد الإنسان نفسه أو يد غيره، إذ القدرة و الحكمة خزانتان من خزائن الملكوت و الملك. فهذه المعاني الثلاث أعني ما ظهر عن يدك و تكسبك، و ما ظهر بيد