قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١١ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
و الجماع، لأن ذلك لا يملك إذا سوى بين البيتوتة، و لا عليه أيضا أن يجامع من بات عندها إنما عليه المبيت ليلة و ليلة و في تفسير قوله تعالى: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ [النساء: ١٢٩]. قال: لا تقدروا على العدل بينهن في الحب و الجماع، لأن ذلك فعل الله عزّ و جلّ في القلوب و في شهوة النفس. و روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان يقسم بين نسائه في العطاء و المبيت، و كان يقول: اللّهم هذا جهدي فيما أملك و لا طاقة لي فيما تملك و لا أملك، يعني في المحبة و الجماع. فقد كان يحب بعضهن أكثر من بعض و كانت عائشة رضي الله عنها أحبهن، و كان يطاف به محمولا في مرضه في كل يوم و ليلة فيقول: أين أنا غدا ففطنت امرأة منهن فقالت: إنما يسأل عن يوم عائشة رضي الله عنها فقلن: يا رسول الله إنّه ليشق عليك أن تحمل، فقد أذنا لك أن تكون في بيت عائشة رضي الله عنها فقال: قد رضيتن بذلك قلن: نعم قال: فحولوني إلى بيت عائشة، فلذلك كانت تقول: قبض في بيتي و بين سحري و نحري تفتخر بذلك، ثم قال الله تعالى عزّ و جلّ: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ [النساء: ١٢٩] يعني على واحدة دون الأخرى في التقصير و النفقة فتذروها كالمعلقة أي موقوفة غير مستقرة، كأنها لا ذات زوج و لا مطلقة، أي لا أيم فتتحمل لنفسها و لا ذات زوج ينفق عليها فتستغني بزوجها. و العرب تقول: علقت الأمر إذا أوقفته، و قول معلق أي موقوف غير مطلق بحكم، فعليه أن يقسم بينهن أيامه و لياليه، فيكون عند كل واحدة يوما و ليلة، إلّا أن تهب لصاحبتها ليلتها أو تسمح له بذلك. فكذلك كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقسم بين نسائه، فأراد أن يطلق سودة بنت زمعة لما كبرت فوهبت ليلتها لعائشة، و سألته أن يقرها على الزوجية لتحشر في نسائه، فتركها و لم يكن يقسم لها، فكان يقسم لعائشة ليلتين و لسائر أزواجه ليلة ليلة، إلّا أنه صلى الله عليه و سلم لشدة عدله كانت نفسه إذا تاقت إلى واحدة في غير ليلتها أو نهارا في غير يومها تاه فجامعها، ثم طاف في ليلته على سائرهن، و كذلك كان يفعل في يومه. فمن ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها و غيرها، أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم طاف على نسائه في ليلة واحدة، و عن أنس، طاف رسول الله صلى الله عليه و سلم على تسع نسوة في ضحوة و من لم يكن له إلّا واحدة استحب له أن يفضي إليها في كل ثلاث ليال بمنزلة من له أربع نسوة، و يكون يباشرها في الليلة الرابعة. و بهذا قضى عمر و كعب بن الأسود رضي الله عنهما للرجل أن يأتيها في كل أربع ليال ليلة، فإن علم أنّ حاجتها إلى أكثر من ذلك كان عليه أن يفعل ما هو أقرب إلى تحصينها و أثبت لعفافها، و إن علم منها كراهة ذلك و قلة همتها له لم يكن عليه الإفضاء إليها إلّا في كل شهر مرة أو في كل سنة مرة، و عليها أن لا تمنعه ليلا و لا نهارا