قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤٢ - ذكر فرائض الاستنجاء
و هو أمام كل شيء و وراء كل شيء، بعلو و دنو هو قربه. فهو وراء الحول الذي هو وراء حملة العرش، و هو أقرب من حبل الوريد الذي هو الروح، و هو مع ذلك فوق كل شيء و محيط بكل شيء. و ليس يحيط به شيء و ليس هو تعالى في كل هذا مكانا لشيء، و لا مكانا له شيء. و ليس كمثله في كل هذا شيء، لا شريك له في ملكه و لا معين له في خلقه، و لا نظير له من عباده، و لا شبيه له في اتحاده و هو أوّل في آخريته بأوليّة هي صفته، و آخر في أوّليته بآخريته هي نعته، و باطن في ظهوره بباطنية هي قربه، و ظاهر في باطنيته بظهور هو علوه. لم يزل كذلك أزلا، و لا يزال كذلك أبدا. لا يتوجه عليه التضاد و لا تجري عليه الحوادث و الآباد، و لا ينتقص و لا يزاد. هو على عرشه باختياره لنفسه، فالعرش حد خلقه الأعلى و هو غير محدود بعرشه تعالى، و العرش محتاج إلى مكان و الرب غير محتاج إليه، كما كان الرحمن على العرش استوى. الرحمن اسمه و الاستواء نعته، متصل بذاته. و العرش خلقه منفصل عن صفاته، ليس بمضطر إلى مكان يسعه، و لا حامل يحمله و لا حيطة تجمعه، و لا خلق يوجده، هو حامل للعرش و للحملة بخفي لطفه، و جامع للعرش و للحفظة بلطيف صنعه، و موجد ما أحب لمن يحب من التجلي بمعالي أسمائه و صفاته بخفي لطفه و لطيف قربه، لاختصاص رحمته. و هو أظهر الكون من وراء الحول. هو ممكن للعرش ببسطه في توسعة الحول، و هو محيط بالعرش و الحول بالقدرة و الطول، لا يسعه غير مشيئته و لا يظهر إلا في أنوار صفته، و لا يوجد إلا في سعة البسطة. فإذا قبض أخفى ما أبدى، و إذا بسط أعاد ما أخفى. و كذلك جعله في كل رسم كون، و فعله بكل اسم مكان مما جل فظهر، و مما دق فاستتر. لا يسعه غير مشيئته بقربه، و لا يعرف إلا بشهوده، و لا يرى إلا بنوره. هذا لأوليائه اليوم بالغيب في القلوب، و لهم ذلك غدا في المشاهدة بالأبصار. و لا يعرف إلا بمشيئته إن شاء وسعه أدنى شيء، و إن شاء لم يسعه كل شيء، إن أراد عرفه كل شيء و إن لم يرد لم يعرفه كل شيء، إن أحب وجد عند أي شيء، و إن لم يحب لم يوجد بشيء. و قد جاوز الحدود و المعيار و سبق القبل و الأقدار، ذو صفات لا تحصى و لا تتناهى، ليس محبوسا في صورة و لا موقوفا بصفة، و لا محكوما عليه بحكم و لا موجودا بلمم. لا يتجلى بوصف مرتين، و لا يظهر في صورة لاثنين، و لا يرد منه بمعنى واحد كلمتان، بل لكل تجل منه صورة، و لكل عبد عند ظهوره له صفة، و عن كل نظرة كلام و بكل كلمة إفهام، و لا نهاية لتجليه و لا غاية لأوصافه و لا نفاد لكلمه، و لا انقطاع لأفهامه و لا تكييف لمعانيه هذه، إذ ليس في التوحيد كيف، و لا للقدرة ماهية، و لا يشبهه بهذه الأوصاف خلق، إذ ليس للذات كفؤ، إذا احتجب عن العيان و الأبصار رفع ذاته عن القلوب و الأفكار، فلم يخيله عقل و لم يصوره فكر، لئلا يملكه الوهم، فيكون مربوبا و هو