قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤١ - ذكر فرائض الاستنجاء
وصفه لا بتقريب و لا بتقرب. و أنّه تعالى على العرش في ذلك كله، و أنه رفيع الدرجات من الثرى و هو رفيع الدرجات من العرش. و أنّ قربه من الثرى و من كل شيء، كقربه من العرش، و أنّ العرش غير ملامس له بحس و لا مفكر فيه بوجس، و لا ناظر إليه بعين و لا محيط به بدرك، لأنه تعالى محتجب بقدرته عن جميع بريته، و لا نصيب للعرض منه إلا كنصيب موقن عالم به، واجد بما أوجده منه من أنّ الله تعالى عليه. و أنّ العرش مطمئن به، و أنّ الله تعالى محيط بعرشه فوق كل شيء و فوق، تحت كل شيء، فهو فوق الفوق و فوق التحت، و لا يوصف بتحت فيكون له فوق، لأنه هو العلي الأعلى أين كان لا يخلو من علمه و قدرته مكان، و لا يحد بمكان و لا يفقد من مكان و لا يوجد بمكان، فالتحت للأسفل و الفوق للأعلى، و هو سبحانه فوق كل فوق و فوق كل تحت في السمو. و هو فوق ملائكة الثرى، و هو فوق ملائكة العرش و الأماكن للممكنات و مكانه، مشيئته و وجوده قدرته و العرش و الثرى و ما بينهما و حد للخلق الأسفل و الأعلى، بمنزلة خردلة في قبضته، و هو أعلى من ذلك، و محيط بجميع ذلك بحيطة هي صفته و سعة هي قدرته، و علو هو عظمته بما لا يدركه العقل و لا يكيفه الوهم، و لا نهاية لعلوه و لا فوق لسموه و لا بعد في دنوه، و لا حس في وجوده و لا مس في شهوده، و لا إدراك لحضوره و لا حيطة لحيطته. و قد قال الله تعالى للكل: يَخافُونَ رَبَّهُمْ من فَوْقِهِمْ [النحل: ٥٠]. و قال سبحانه: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١]. و قال عزّ و جلّ: أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ [فصلت: ٥٤]. و إنّ الله تعالى لا يحجبه شيء عن شيء، و لا يبعد عليه شيء، قريب من كل شيء بوصفه، و هو القدرة و الدرك. و الأشياء مبعدة بأوصافها، و هو البعد و الحجب. فالبعد و الأبعاد حكم مشيئته، و الحدود و الأقطار حجب بريته، و المسافة و التلقاء مكانة لسواه، و النواحي و الجهات موضع للمحدثات، و النهار و الليل مسكن للمصرفات، و البعد و الفضاء مكان للمخلوقين و التوسعة و الهواء محل للعالمين، و الأحكام و الأقدار واقعة على خلقه. و هو سبحانه و تعالى قد جاوز المقدار و الأحكام، وفات العقول و الأوهام و سبق الأقدار، و احتجب بعزه عن الأفكار، لا يصوره الفكر و لا يملكه الوهم. حجب عن العقول تشج ذاته و لم تحكم العقول بدرك صفاته، إذ ليس كمثله شيء فيعرف بالتمثيل، و لا له جنس فيقاس على التجنيس، و هو الله في السموات و في الأرض. ثم استوى على العرش، و هو معكم أينما كنتم، غير متصل بالخلق و لا مفارق، و غير مماس لكون و لا متباعد، بل متفرد بنفسه متحد بوصفه لا يزدوج إلى شيء و لا يقترن به شيء، هو أقرب من كل شيء بقرب هو وصفه، هو محيط بكل شيء بحيطة هي نعته، و هو مع كل شيء و فوق كل شيء،