قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٧ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
واجه به الملك الجبّار؟ أ لا ترى من كشف عورته بين يدي نبي كفر لانتهاك حرمة النبوّة فكيف بالعظيم الأكبر لو لا فضله و رحمته؟ و في قوله سبحانه: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ من يَشاءُ [آل عمران: ١٢٩]، قيل: يغفر لمن يشاء على الذنب العظيم، و يعذّب من يشاء على الذنب الصغير. و قيل: يشترك الجماعة في المعصية فيغفرها لبعضهم و يبدلها حسنات، فلا تضرّه بل تكون عاقبتها ما يسرّه، و يعذّب البعض بذنبه و لا يغفر له، و قد لا ينفعه معه عمل لا يسأل عمّا يفعل، و هم يسألون له الخلق و الأمر، يحكم بأمره في خلقه ما يشاء، كيف شاء، و لا حول و لا قوة إلا باللَّه. و احتمل لآصف بن برخيا فوق ذلك كله. يقال: إنه كان أحد المسرفين، و لا يصلح أن تذكر ذنوبه لمكان علمه و لحسن عطف الله عليه، ثم تداركه مولاه، و اجتباه، و أعطاه العلم و الفضل، و أيد به نبيه و خليفته، و جعله وزيره، و أطلعه على الاسم الأعظم بعد ما كان منه ما يتعاظم لئلاّ ييأس محبّ من عطفه، و لكيلا يقنط متحجّب من لطفه. و لم يسمح لبلعم بن باعوراء بذنب واحد من ذنوب آصف بن برخيا إلّا أنّ بلعم أكل دنياه بدينه و أدخل الهوى على العلم فضلّ بذلك و هلك و اشتدّ مقت الله له، و آصف كانت معاصيه في جوارحه بينه و بين خالقه، فكان آصف مستبدلا به من بلعم لما أري تلك الآيات، فانسلخ منها بعد العبادات، إذ لم يرد بحقائقها و النيات فيه. و يقال: إنه أوتي الاسم الأعظم المتصل بكل المتصلة بكان، و قد قيل: كان أوتي فوق ذلك ثم انسلخ من الآيات فسكن إلى الدنيا و هوى في الهالكات، و لم ينفعه ما كان منه من العبادة و الزهادة كي لا يأمن عامل من عماله مكره، و لئلا يدل عالم عليه بما أظهره. و كان آصف في كبائر المخالفات فاستنقذ منها ثم أوتي بعدها الآيات لأنّه بوصف مراد و في مقام محبوب، هذا بحضرة نبي الله و خليفته في الأرض سليمان عليه السلام. فأمّا قصة بلعم فهي أشهر من أن نذكرها، و لها مقدمات فيها قصص و إطالة لا نشتغل بذكره، و لكن نذكر بعض ما انتهى إلينا من قصة آصف، و ليس كل أحد على قصته يقف. حدثونا أنّ الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام: يا ابن رأس العابدين و يا ابن محجة الزاهدين، إلى كم يعصيني ابن خالتك آصف و أنا أحلم عنه مرة بعد مرة، فو عزتي و جلالي لئن أخذته عطفة من عطفاتي عليه لأتركنّه مثلة لمن معه و نكالا لمن بعده. قال: فلما دخل آصف على سليمان أخبره بما أوحى الله إليه، فخرج حتى علا كثيبا من رمل، ثم رفع يديه نحو السماء و هو يقول: إلهي و سيدي أنت أنت و أنا أنا فكيف أتوب إن لم تتب عليّ و كيف أستعصم إن لم تعصمني لأعودنّ فأوحى الله إليه: صدقت أنت أنت و أنا أنا أستقبل التوبة إليّ فقد تبت عليك و أنا التوّاب الرحيم، و هذا كلام مدلّ به عليه، و هارب منه إليه،