قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١١ - الفصل الأربعون فيه كتاب الأطعمة و ذكر ما يجمع الأكل من السنن و الآداب و ما يشتمل على الطعام من الكراهة و الاستحباب
و كان فيه بخل، قال: فقدم جملا فجعلوا يأكلون فلما رآهم يمزقون كل ممزق ضاق صدره فقال: يا غلام ارفع إلى الصبيان قال: فرفع الجمل إلى داخل الدار. فقام الستوري بعد و خلف الجمل فقال صاحب المنزل: إلى أين يا أبا عبد الله فقال: آكل مع الصبيان. فاستحيا الرجل و أمر برد الجمل حتى استوفوا منه. و كان سفيان الثوري يقول: من دعا رجلا إلى طعامه و هو يحبّ أن لا يجيبه فإن لم يجب كتبت عليه خطيئة، و إن أجاب كتبت عليه خطيئتان، فالمعنى في الخطيئة الأولى لأنه أظهر بلسانه خلاف ما في قلبه فتصنّع بالكلام و هذا من السمعة و داخل في محبة أن يحمد بما لم يفعل، و المعنى في الخطيئتين أنه أجابه أخوه، فالخطيئة الثانية لأنه حمل أخاه على ما لم يعلم حقيقته منه و عرضه لما يكره فلم ينصحه فيما أظهر له من نفسه، لأن أخاه لو علم غير محبّ لإجابته لم يأكل من طعامه، و لأنه قد أدخله في السمعة. فلذلك كانت عليه خطيئة ثانية، و قد كان من المتقدمين من إذا دخل عليه و هو يأكل قوته لم يعرض على إخوانه الأكل إذا لم يحب أن يأكل معه خشية التزين بالقول أو لئلا يعرضهم لما يكرهون. دخل قوم على سمير أبي عاصم، و كان زاهدا، و هو يأكل فقال: لو لا أني أخذته بدين لأطعمتكم منه، و كان بعض السلف يقول في تفسير التكلف: أن تطعم أخاك ما لا تأكله أنت أي لا يكون من مأكلك في الجودة و مما له قيمة فتشق على نفسك بذلك. و كان الفضيل يقول: إنما تقاطع الناس بالتكلّف، يدعو أحدهم أخاه فيكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه. و كان بعض السلف يأمر بتقديم ما حضر فإنه أدوم للرجوع، و أذهب لكراهة صاحب المنزل. و قال بعضهم: ما أبالي من أتاني من إخواني فإني لا أتكلف له إنما أقرّب ما عندي، و لو أني تكلّفت ما ليس حاضرا لمللته و كرهت دوام مجيئه. و قال لي بعض الشيوخ: كنت آنس بعض إخواني فكنت أكثر زيارته، فكان يتكلف الأشياء الطيبة فقلت له يوما: حدثني عن شيء أسألك عنه: إذا كنت وحدك تأكل مثل هذا الذي تقدّمه إليّ؟ قال: لا. قلت: و كذلك أنا في منزلي إذا كنت و حدي لا آكل مثل هذا فلم إذا اجتمعناه نأكله و نحن لا نأكل مثله على الانفراد هذا من التكلف فأما أن تقطع هذا و تقدّم إلىّ ما تأكله على الانفراد أو أقطع مجيئي إليك. قال: فقطع ذلك. و كان يقدّم ما عنده و ما يأكل مثله فدامت معاشرتنا. و من دعي إلى طعام و عنده إنسان أو جماعة من حيث يعملون فليستثن الواحد أو الجماعة معه، فإنه من السنّة و الأدب، فإن دعي وحده أو مع نفر بأعيانهم أو أعدادهم فتبعهم واحد لم يكن في العدد فليذكر للداعي قبل دخولهم إليه ليأذن له معهم، كذلك السنّة و من دعي في جماعة و فوّض إليه الأمر فيهم فليعرف