قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١٢ - الفصل الأربعون فيه كتاب الأطعمة و ذكر ما يجمع الأكل من السنن و الآداب و ما يشتمل على الطعام من الكراهة و الاستحباب
صاحب المنزل عدتهم قبل مجيئهم ليستعدّ لهم بعد أن يعرض عددهم. من دعا رجلا في غير دعوة عامة و عنده قوم أو رجل بعينه فليعلمه بمن عنده ليدخل على بصيرة، فلعلّ أن يكون عنده من يكره هذا المدعو لاجتماع معه، أو لعله أن يجيبه لأنه يحسب أن ليس عنده غيره لأن الأكل معاشرة و ليس كل إنسان يحبّ أن يعاشر كل أحد خاصة الرؤساء. و من أكل مع رجل من طعامه فوقف عليه سائل فلا يعطينّ شيئا إلّا بإذنه أو يسأل صاحب الطعام حتى يكون هو الذي يعطيه، فإن أعطاه بغير إذن كان الأجر لصاحب الطعام و الوزر عليه. روي ذلك عن أبي الدرداء قال لإنسان كان يأكل معه فأعطى سائلا بغير أمره: لقد كنت غنيا أن يكن الأجر لي و الوزر عليك، و مثله لا يدعو إلى طعام غيره أحدا بغير إذن صاحبه و من دعا خصوص إخوانه فدخل عليه داخل فلا يقعده معهم للأكل و ليصرفه أو يفرده عنهم. حدثني بعض أشياخنا عن بعض الخلف الصالح أنه دعا إخوانه من الصوفية على طعام فدخل رجل من العامة فجلس يأكل معهم فقبض على يده و نحاه و قال: هذا عملناه لهؤلاء خاصة لا يصلح أن يكون معهم غيرهم، ثم أفرده بطعام خصّه به و عمله لأجله عوضا مما فعل و من دخل عليه داخل و هو يأكل فلا يرفع الطعام فليس ذلك من السنّة و لا من فعل المروءة و لعل الداخل أحوج إليه منه و قد بعث إليه اختبارا له. و إذا عرضت على أخيك الطعام مرة أو مرتين فلا تلحن عليه، و كذلك إذا دعوته فكره فقد قالوا لا تكرم أخاك بما يشقّ عليه و لا تزيدن على ثلاث مرات فإن الإلحاح و اللجاج ما زاد على ثلاث مرات و ليس ذلك من الأدب. قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا خوطب في شيء ثلاثا لم يراجع بعد ثلاث. و كان الحسن بن عليّ رضي الله عنهما يقول: الطعام أهون من أن يحلف عليه. و قال مرة: من أن يدعى إليه ذلك لعظيم حق. و كان الثوري يقول: إذا زارك أخوك فلا تقل له تأكل أو أقدم إليك و لكن قدّم ما عندك، فإن أكل و إلا فارفعه. و كان الحسن و ابن المبارك إذا أرادا الغداء أو العشاء فتحابا بهما فمن دخل عرضا عليه الأكل، و قد كان هذا من سيرة السلف أنهم يفتحون الباب عند حضور الطعام و من صادف دخوله أكل معهم، و منهم من كان يقعد في دهليز داره و يفتح الباب فكل من مرّ عليه في الطريق دعاه إلى طعامه من غني أو فقير، و قال بعض التابعين: إلّا إنّ خياركم آكلكم في الأفنية و أوسعكم آنية و أحلاكم أطلية إلّا إنّ شراركم آكلكم في الأخبية و أصغركم أطلية. و من دعا رجلا إلى طعامه و هو يعلم أنّ الأحبّ إليه أن لا يأكل فمكروه له أن يأكل و لا يعبأ بقوله إذا علم منه خلافه، فإن لم يعلم حقيقة ذلك فله أن يجيبه على ظاهر قوله و ليس له أن يسيء الظن به. دعا