قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠١ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
فعل الله بك فقال: أوقفني بين يديه، فقال لي: يا أحمد حملت وصفي على ليلي و سعدي لو لا أني نظرت إليك في مقام واحد أردتني به خالصا لعذبتك، قال: و أقامني من وراء حجاب الخوف فأرعدت و فزعت ما شاء الله، ثم أقامني من وراء حجاب الرضا فقلت: يا سيدي لم أجد من يحملني غيرك، فطرحت نفسي فقال: فقل: صدقت من أين تجد من يحملك غيري؟ قال: و أمر بي إلى الجنة، و في هذا تخويف للسامعين على التشبيه، الحائدين عن سمع أهل الفهم و التنبيه، لأنّ السماع علم لا يصلح إلا لأهل الصفاء. فمن سمعه على كدر فذاك له محنة و ضرر، و يدخل من الآفات على نقصان المشاهدات إذا سمع من قبل النغمة و الصوت ما يدخل على من نظر إلى الأيدي في العطاء، لأنّ الصوت ظرف للمعاني بمنزلة اليد ظرفا للأرزاق، فالنظر الموقن يأخذ رزقه من اليد، و يترك النظر و السامع المحق، يأخذ المعاني من الصوت و لا يلتفت إلى التنغيم بها. فمن سمع على التشبيه و التمثيل ألحد، و من سمع على الهوى و الشهوة فهو لعب و لها، و من سمع باستخراج الفهم و مشاهدة العلم على معاني صفات حقّ و نظر و تطرق و دليل على آيات صدق، كان سامعا على مزيد، و هذه طرائق أهل التوحيد. و في السماع حرام و حلال و شبهة. فمن سمعه بنفس بمشاهدة هوى و شهوة فهو حرام، و من سمعه بمعقوله على صفة مباح من جارية و زوجة كان شبهة لدخول اللهو فيه. و فعل هذا بعض السلف من التابعين، و من سمعه بقلب بمشاهدة معان تدله على الدليل و تشهده طرقات الجليل فهذا مباح، لا يصحّ إلّا لأهله ممن كان له نصيب منه، و وجد في قلبه مكانا له لعبد أقيم مقام حزن، أو شوق أو في مقام خوف، أو محبة، فيحركه السمع و يخرجه إلى الشهادة، فيكون ذلك مزيده من السمع، فأمّا من سمعه على نغمة، أو لأجل صوت، أو ليلهو به، أو ليستروح إليه، فهذا لاعب لاه لا يحلّ له إذ ليس مرادا به. و كان الجنيد يقول: تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن، عند الطعام لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة. و عند المذاكرة لأنهم يتذاكرون أحوال النبيين. و مقامات الصديقين، و عند السماع لأنهم يسمعون بوجد و يشهدون حقّا. و كان بعض العارفين يقول: تعرف مواجيد أصحابنا في ثلاثة أشياء، عند المسائل و عند الغضب، و عند السماع، و إنما ذكرنا هذا لأنّه كان طريقا لبعض المحبين و حالا لبعض المشتاقين، فإن أنكرناه مجملا فقد أنكرنا على تسعين صادقا من خيار الأمة، و قد دخل فيه غير أهله فأحالوه عن وجهته، و عدلوا به عن قصده. و قد كان بعض السامعين يقتات السماع فيجعله قوته، و يتقوى به على زيادة طيه، و أحدهم يطوي اليومين و الثلاثة. فإذا تاقت نفسه إلى القوت عدل بها إلى السماع، فأثار منه مواجيده، و أهاج فيه أذكاره،