قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٧٨
على ذلك إلى الممات. و قال: من لم يكن مطعمه من حلال لم يكشف الحجاب عن قلبه و لم ترفع العقوبة عن قلبه و لم يبال بصلاته و صيامه إلّا أن يعفو الله عزّ و جلّ عنه. و قال: من اختار أن يريد خوف الله في قلبه و يكاشف بآيات الصدّيقين، لا يأكل إلّا حلالا و لا يعمل إلّا في سنة أو ضرورة. و كان يقول: إنما حرموا مشاهدة الملكوت، و حجبوا عن الوصول بشيئين سوء الطعمة و أذى الخلق. و كان يقول: بعد سنة ثلاثمائة لا تصح لأحد توبة. قيل: و لم قال: يفسد الخبز و هم لا يصبرون عنه. و قد روى مرة الطيّب عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم: جسم غذي بحرام لا يدخل الجنة، النار أولى به. و في الخبر: أنه أكل من كسب غلامه ثم سأله عنه فقال: رقيت لقوم فأعطوني. و في لفظ آخر: تكهنت لهم فأدخل يده في فيه و جعل يقيء حتى استقاءه عن آخر لقمة ثم قال: اللّهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق و خالط الإمعاء. و قد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم أخبر بذلك فقال: أو ما علمتم أنّ الصديق لا يدخل جوفه إلّا طيّبا؟ و في الخبر: أنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجعله الله مستجاب الدعوة فقال: يا سعد، أطب طعمتك تستجب دعوتك، و قال العلماء: الدعاء محجوب عن السماء بفساد الطعمة. و يقال: إنه الله لا يستجيب دعاء عبد حتى يصلح طعمته و يرضى عمله. و قال جماعة من السلف: الجهاد عشرة أجزاء، تسعة في طلب الحلال. و قال عليّ بن فضيل لأبيه: يا أبت، إنّ الحلال عزيز فقال: يا بني إنه و إن عزّ فقليله عند الله كثير. يقال: إنّ من صلّى و في جوفه طعام حرام، أو على ظهره سلك من حرام لم تقبل صلاته. و قال بعض السلف: يا مسكين إذا صمت فانظر عند من تفطر و طعام من تأكل، فإنّ العبد ليأكل الأكلة فيتقلب قلبه و ينغل كما نغل الأديم، فلا يعود إلى حاله أبدا و هذا أحد التأويلين في قوله صلى الله عليه و سلم: كم من صائم حظه من صيامه الجوع و العطش، قال: هو الذي يصوم و يفطر على الحرام. و في الخبر: من طلب الدنيا حلالا مفاخرا مكاثرا لقى الله عزّ و جلّ و هو عليه غضبان. و حدثونا من آثار السلف أنّ الواعظ و المذكر كان إذا جلس للناس و نصب نفسه سأل أهل العلم عن مجالسته فكانوا يقولون: تفقدوا منه ثلاثا، انظروا إلى صحة اعتقاده و إلى غريزة عقله و إلى طعمته، فإن كان معتقد البدعة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق، و إن كان سيّئ الطعمة فاعلموا أنه ينطق عن الهوى، و إن كان غير ممكن العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح فلا تجالسوه، و هذا التفقد و البحث عن طريق قد مات فمن عمل به فقد أحياه. و ذكر النبي صلى الله عليه و سلم الحريص على الدنيا فذمه ثم قال: رب، أشعث أغبر مشرد في