قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٤٩ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
جامعة له تشتمل على جمل أعمال البرّ، فليأخذوا أنفسهم بها فإنها من أخلاق المؤمنين و طرائق المتقدمين، و قد ندبوا إلى جميعها، منها أن يسمح إذا باع، و يسمح إذا اشترى، و يحسن إذا، قضى، و يحسن إذا اقتضى، و ليمش الرجل بدين غريمه إليه و لا يحوجه إلى اقتضائه فيشق عليه، و ليصبر صاحب الدين على أخيه و يحسن تقاضيه، و يحسن له النظرة و يؤخر حقه إلى ميسرته، و ليغتنم دعاء رسول الله صلى الله عليه و سلم لهم على ذلك فينافسوا في مدحه لمن فعل ذلك. فقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: اسمح يسمح لك. و قال: خير الناس أحسنهم قضاء. و قال: خذ حقك في عفاف وافيا كان أو غير واف يحاسبك الله حسابا يسيرا. و قال: رحم الله عبدا سمح البيع سمح الشراء حسن القضاء حسن الاقتضاء. و قال: من مشى إلى غريمه بحقه أظلته الملائكة. و قال: من أنظر معسرا أو ترك له حاسبه الله حسابا يسيرا. و في خبر آخر: أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلّا ظله. و ذكر عليه السلام رجلا كان مسرفا على نفسه حوسب فلم يجد له حسنة فقيل له: هل عملت خيرا قط؟ فقال: لا، إلّا إني كنت رجلا أداين الناس و أقول لغلماني سامحوا الموسر و انظروا المعسر. و في لفظ آخر: و تجاوزوا عن المعسر. قال الله عزّ و جلّ: نحن أحق بذلك منك فغفر له و في خبر آخر: من أقرض دينا إلى أجل فله بكل يوم صدقة إلى أجله فإذا حلّ الأجل فانظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة. و في حديث: من أدان دينا و هو ينوي قضاءه وكّل به ملائكة يحفظونه و يدعون له حتى يقضيه. و كان جماعة من السلف يدانون و هم واجدون لأجل هذا الخبر. و كان جماعة لا يحبون أن يقضيهم غرماؤهم دينهم لأجل ذلك الخبر الأوّل إذ له بكل يوم تأخر قضاء صدقة. و في الحديث: رأيت على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها و القرض بثمانية عشر. قيل: معناه لأن الصدقة تقع في يد محتاج و غيره، و القرض لا يقع إلّا في يد محتاج مضطر إليه. و نظر النبي صلى الله عليه و سلم إلى رجل يلازم رجلا بدين عليه فأومأ إلى صاحب الدين بيده: ضع الشطر ففعل. فقال للمديون: قم فأعط. و كان النبي صلى الله عليه و سلم قد أدان دينا إلى أجل فجاءه صاحب الدين عند حلول الأجل و لم يتفق عند النبي صلى الله عليه و سلم، فجعل الرجل يكلم النبي صلى الله عليه و سلم و يشدد عليه الكلام فهم به أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، و استحبّ أن تكون أكثر معاونة الإنسان بين البائعتين مع المشتري منهم، و استحب أيضا أن يكون عونه بين المتداينين مع الذي له الدين، إلّا أن يعتدي من له الدين أو يعتدي المشتري فيكون حينئذ على المشتري. و روي عن النبي صلى الله عليه و سلم: المستبان بالسّبة ربا و المستبان ما قالا، فعلى المعتدي منهما ما لم يعتد المظلوم. و يسير المغابنة في التجارات جائز، فإن موضوع