قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٤٨ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
و الويل الطويل لمن يموت و تبقى ذنوبه بعده مائة سنة و مائتي سنة يعذّب بها في قبره، و يسأل عنها إلى آخر انقراضها. قال الله عزّ و جلّ: وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ [يس: ١٢]. ما قدموا ما عملوا، و آثارهم ما سنّوه بعدهم فعمل به و قال في وصفه: ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم و أخّر. قيل: بما قدم من عمل و ما أخّر من سنّة عمل بها بعده. و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: من سنّ سنّة سيّئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها، و مثل وزر من علم بها لا ينقص من أوزارهم شيئا، و إنفاق الدرهم الرديء على من يعرف النقد أشد و أغلظ، و هو على من لا يعرف أسهل، فيكون به أعذر لأن هذا لا يتعمد الغش و الآخر يتعمده و يقصده، فإنما كان المسلمون يتعلمون جودة النقد لأجل إخوانهم المسلمين لئلا يغشوهم بالرديء، و إلّا فإنّ تعلّم النقد بلاء و إثم على صاحبه لأنّه علم علمه و لم يعلمه، فهو يسأل عن علمه، و من ردّت عليه قطعة فلينفقها و لا يجوزها على بيع آخر، و يحتسب بذلك الثواب من الله عزّ و جلّ، فله بذلك من الأجر بوزن كل ذرة منها حسنة، و له في طرحها أعمال كثيرة من الصوم و الصلاة، فإن كان في القطعة تجوّز نقد ينصرف مثلها فأراد أن يشتري بها شيئا فليعلم البائع الثاني أنها قد ردّت عليه، فإن أخذها على بصيرة و عن سماحة فلا بأس، فإن لم يعلمه فإنه لم ينصحه و ربما كان على غير بصيرة بالنقد. فقد روي عن عمر رضي الله عنه: من زافت عليه دراهمه فليضعها في كفه و ليناد عليها في السوق من يبيعها سحق ثوب بدرهم زائف، و هذا إذا كانت زائفة على وجهها كالصفر و الرصاص كان لها قيمة مثلها. و في قول ابن عمر رضي الله عنه لنافع: لو حفظت عني كما يحفظ عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم لكان أحبّ إليّ من أن يكون لي درهم زائف. قيل له: أ فلا جعلته جيدا؟ قال: كذلك كان في نفسي. و روينا عن النخعي: إذا كان في الدرهم شيء من الفضة و إن قلّ فلا بأس به. و حدثت عن أبي داود قال: سألت إسحاق بن راهويه رحمهما الله عن إنفاق المزيفة قال: فلا بأس به، ففيه ترخيص بالإنفاق بالزائف إذا عرف و من سمح في النقد، و يجوز في أخذ الرديء طلبا للآجر، فيما يحتسب، ثم إذا أخرج ذلك على المسلمين و جوزه عليهم بعد ذلك فقد أثم في سماحته و تشديده حينئذ، و نقصه في أخذ الجيد أفضل، و هذا من دقائق الأعمال و باطن الشر في ظاهر الخير. اللّهم إلّا أن يأخذ الرديء ثم يلقيه و لا يخرجه إلى أحد، فإن فعل هذا كان فاضلا محتسبا محسنا في سماحته و له باحتسابه ذلك مثوبة و أجر. فينبغي للتاجر أن يكثر من الصدقة ليكون فيها كفّارة خطاياه و إيمانه و كذبه. فقد أمر النبي صلى الله عليه و سلم التاجر بالصدقة. لذلك فينبغي للتاجر و الصانع أن يكونا مستعملين لهذه الخصال، فإنها