قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٤٧ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
أن يسأل البائع الرجحان إلّا الله عزّ و جلّ قال: وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ [الرحمن: ٩]. أي بالعدل، و هو السواء. و هو استواء اللسان في البكرة لا مائلا إلى إحدى الكفتين. و في قراءة عبد الله: و لا تطغوا في الميزان و أقيموا الوزن بالقسط باللسان و لا تخسروا الميزان فهذا مفسر في هذا الحرف و مكروه المعاملة بالمزيفة، و لا يصلح بدرهم تكون الفضة فيه مجهولة أو مستهلكة و لا بما لا تعرف قيمته و ما يختلط بالفضة من غيرها فلا تمتاز منه. فقد كان بعض السلف يشدد في ذلك و يحرمه منهم الثوري و الفضيل بن عياض و وهب ابن الورد و ابن المبارك و بشر بن الحارث و المعافى بن عمران رضي الله عنهم. و يقال: إنّ كل قطعة من المزيفة ينفقها صاحبها يجدها ملصقة في صحيفته بعينها و صورتها مكتوب تحتها ألف سيّئة، خمسة آلاف سيّئة على قدر وزنها، و وزن ذرة منها سيّئة، و الذرة نقطة من هباء شعاع الشمس في الضوء. حدثني بعض العلماء عن بعض الغزاة في سبيل الله عزّ و جلّ قال: حملت على فرسي لأتناول بعض العلوج فقصر فرسي فرجعت، ثم دنا مني العلج فحملت عليه ثانية لأتناوله فقصر فرسي، و حملت عليه ثالثة و قد قرب مني فنقر بي فرسي، و لم أكن أعتاد ذلك منه: فرجعت حزينا، فجلست إلى جنب فسطاطي منكرا للذي فاتني من أخذ العلج. و لما اختلف عليّ من خلق فرسي قال: فوضعت رأسي على عمود الفسطاط فنمت و فرسي قائم بين يدي، فرأيت في النوم كأنّ الفرس يخاطبني و يقول لي: باللَّه عليك أردت أن تأخذ عليّ العلج ثلاث مرات، و أنت بالأمس اشتريت لي علفا و دفعت في ثمنه درهما زائفا؟ لا يكون هذا أبدا. قال: فانتبهت فزعا فذهبت إلى العلّاف فقلت له: أخرج إليّ الدراهم التي اشتريت بها منك بالأمس العلف. قال: فأخرجها إليّ. فأخذت منها الدرهم الزائف فقلت: إني كنت قد جوزت عليك هذا الدرهم بالأمس. قال: فأبدلته له و انصرفت. و قال عبد الوهاب: سألت بشرا عن المعاملة بالمزيفة فقال: سألت المعافى عنها فقال سألت الثوري عنها فقال حرام. و حدثنا عن أبي داود قال: سمعت أحمد أنكر التجارة و المعاملة بالمزيفة و المكحلة. و قد كان بعض علمائنا يقول: إنفاق درهم مزيف أشد من سرقة مائة درهم. قال: لأن سرقة مائة درهم معصية واحدة منقضية، و إنفاق دانق مزيف بدعة أحدثها في الدين، و إظهار سنّة سيّئة يعمل بها بعده، و إفساد لمال المسلمين، فيكون عليه وزره إلى مائة سنة. فأكثر ما بقي ذلك الدرهم يدور في أيدي المسلمين و يكون عليه، ثم أفسد و نقص من أموال المسلمين إلى آخر فنائه و انقراضه، فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه،