قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٤ - الفصل السابع و الثلاثون في شرح الكبائر التي تحبط الأعمال و توبق العمال و تفصيل ذلك و منازل أهلها فيها و مسألة محاسبة الكفّار
تطرقه فيما بينهما آفة فيكون الله تعالى هو الأول فالآخر معه و عنده، ثم يظهره بعد ذلك و لا يتظاهر به، و أفضل النيات أن لا تريد بعملك إلّا وجه الله تعالى وحده تعظيما لحق الربوبية و إلزاما للنفس وصف العبودية، فإن لم يكن هذا المقام عن مشاهدة وجه ذي الجلال و الإكرام فمشاهدة ما رغب فيه و شوق إليه من الآخرة عن مقام الرجاء. و لا ينبغي للعبد أن يدخل في شيء حتى يعلم علمه فيكون داخلا في علم يعلم مثله، لأن للَّه سبحانه و تعالى في كل شيء حكما. فما علم من ذلك حمد الله تعالى عليه و عمله، و ما جهل سأل عنه من هو أعلم به، و ما أشكل عليه أمسك عنه حتى يستبين له وجهه فيقدم عليه أو يتركه، و ليكن ما تحرك فيه أو سكن عنه أو توقف عن الإقدام عليه ابتغاء مرضاة الله تعالى تقريبا إليه لأجل الله تعالى، فهذا أعلى النيات و هو غاية الإخلاص. و من أراد بأعماله ما عند الله تعالى من ثواب الآخرة من حظوظ نفسه و معاني شهواته و لذته من النعيم في الجنان، و اتخاذ الحور الحسان، مما وصف الله تعالى و ندب، لم يقدح ذلك في إخلاصه و لم يغير صحة نيته من قبل أنّ الله تعالى مدحه و رغب فيه و وصفه، و كان ذلك مزيد مثله، إلّا أنّ هذا نقص في مقام المحبين و عيب عندهم كعيب من عمل لعاجل حظه من دنياه، و هو شرك في إخلاص الموحدين الذي اختصوا بالعبودية، فعتقوا من أسر الهوى بالحرية، فلم يسترقهم سوى الوحدانية لما شهدوا من خالص الربوبية، و إخلاص العبودية للربوبية أشد من إخلاص المعاملة ضرورة. إلّا أنّ من رزق المقام منها دخل بحقيقة لإخلاص المعاملة ضرورة، فلا ينقيه و لا يصفيه عمل و لا مجاهدة، فكانوا مخلصين، و هذا مقام المحبين، و إنما أتعب المريدين بالتنقية و التصفية للمعاملة لما بقي عليهم من الشرك الخفي و الشهوة الخفية، كما أتعب خدام الدنيا بالجمع لها لما استرقهم من الهوى فأما الأحرار فهم من خدمة الخلق برآء، و هذا يذهب الإخلاص و يفسد النية و يدخل الانتقاص. و ما تلف له من شيء أو ظلم من حقه فلينو بذلك لذخر عند الله تعالى و ليجعله في سبيل الله بحسن ظنه باللَّه تعالى و صدق يقينه فإن له من ذلك ما نوى. حدثونا عن رجل رؤي بعد وفاته فسئل منه كيف رأيت أعمالك؟ فقال كل شيء عملته للَّه تعالى وجدته. حتى حبة رمان التقطتها من طريق، و حتى هرة ماتت لنا، رأيت ذلك كله في كفة الحسنات. قال: و كان في قلنسوتي خيط من حرير فرأيته في كفة السيّئات. قال: و كان قد نفق لي حمار قيمته مائة دينار فما رأيت له ثوابا. فقلت: موت سنور في الحسنات و هذا حمار قيمته مائة دينار و لا أدري له ثوابا؟ فقيل: إنه وجّه حيث بعثت به لأنك قلت لما قيل لك مات الحمار فقلت: في لعنة الله تعالى. أما بطل أجرك؟