قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٣ - الفصل السابع و الثلاثون في شرح الكبائر التي تحبط الأعمال و توبق العمال و تفصيل ذلك و منازل أهلها فيها و مسألة محاسبة الكفّار
[النساء: ١٨] و حضور الموت يكون عند معاينة ملك الموت إذا خرجت الروح من جميع الجسم فلم يبق إلّا ما بين القلب و العينين فهو الوقت الذي قال الله عزّ و جلّ: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [الفرقان: ٢٢] و هو الذي خوف منه في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام: ١٥٨] يعني عند الموت، و هذا لأهل المعاينة «أو يأتي ربك»، يعني يوم القيامة، و هذا لأهل البرزخ «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ» و هو اليأس الذي يقع عنده من الدنيا، اليأس من طلوع الشمس من مغربها و هو آخر التوبة و يؤمن معه كل كافر. فقال سبحانه: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ من قَبْلُ [الأنعام: ١٥٨] أي من قبل المعاينة: أَوْ كَسَبَتْ في إِيمانِها خَيْراً [الأنعام: ١٥٨] قيل التوبة، و هو الوقت الذي قال الله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر: ٨٤]، يعني كشف الغطاء قالوا: آمنا باللَّه وحده و كفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنّة الله التي قد خلت في عباده يعني طريقته و شأنه الذي مضى في الخلق لا تبديل له و لن تجد لسنّة الله تبديلا، و حكم العباد كلهم في المعاد إلى الله عزّ و جلّ إن عذبهم فبما اكتسبوا، و يعفو عن كثير. و إن شاء أن يغفر لهم و هو الغفور الرحيم. و قد يتفاوت الناس في جميع ما ذكرناه من أداء الفرائض و من ارتكاب المعاصي و العرف، و التخلق بأخلاق النفس من عادات أبناء الدنيا و عرف معاشرتهم فيما بينهم، فإنّ ذلك حال الغافلين و مقام الجاهلين غير محمود العاقبة، و لا مغبوط الخاتمة، و لا يترك العمل الصالح أيضا خشية دخول الآفة، و لا يدعه إن كان داخلا فيه لما يعتريه فيه، ذلك بغية عدوّه منه لكن يكون على نيته الأولى من جهة القصد. فإن دخلت عليه علّة وضع عليها دواءها فعمل في نفيها و إزالتها و ثبت على حسن نيته و صالح معاملته، و لا يدع عملا لأجل الخلق حياء منهم و كراهة و اعتقادهم فضله، لأن العمل لأجل الناس شرك. و تركه لأجلهم رياء، و ترك العمل لأجل دخول الآفة فيه جهل، و تركه عند دخول العلّة عليه ضعف و وهن، و من دخل في العمل للَّه تعالى و خرج منه للَّه تعالى لم يضرّه ما كان بين ذلك بعد أن ينفيه و لا يساكنه، و قد يضرّه ما يكون بعد ذلك: مثل إن كان سرّا فأظهره بعد زمان فصار علانية فنقل من ديوان السرّ إلى ديوان العلانية، و مثل أن يتظاهر به و يفتخر و يدل به و يتكبر فيحبط ذلك عمله لأنه قد أفسده، و الله لا يصلح عمل المفسدين، و من دخل في العمل للَّه تعالى و دخل عليه في وسط العمل علة فخرج من العمل بها بطل عمله، و من دخل في العلم بآفة و خرج منه بصحة سلم له عمله و جبر بآخره أوّله، و أفضل الأعمال ما دخل في أوّله للَّه تعالى و خرج منه باللَّه تعالى، و لما