قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٧ - الفصل الخامس و الثلاثون فيه ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى و الحكم و افتراقهما في التفصيل و الاسم
ما كان ضدهما واحد. فقال سبحانه: كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ [آل عمران: ٨٦]. و قال: يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٨٠]، فجعل ضدهما الكفر. و على مثل هذا خبر رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الإيمان و الإسلام بوصف واحد. فقال في حديث ابن عمر: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلّا الله و أنّ محمّدا رسول الله، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، صوم رمضان، و حجّ البيت. و في حديث ابن عباس عن وفد عبد القيس أنهم سألوه عن الإيمان فذكر هذه الأوصاف فدلّ بذلك أنه لا إيمان باطن إلّا بإسلام ظاهر، و لا إسلام على نية إلا بالإيمان سرّا. و أنّ الإيمان و العمل قرينان لا ينفع أحدهما بغير صاحبه، و لا يصحّ أحدهما إلّا بالآخر، كما لا يصحان و لا يوجدان معا إلّا بنفي ضدهما و هو الكفر. كما روي. عن النبي صلى الله عليه و سلم: لا يكفر أحد إلا بجحود ما أقرّ به. و أظهر من حديث ابن عباس آنفا أنّ في نفس حديث ابن عمر ذكر الإيمان أيضا بدلا من لفظ الإسلام. و رواه جرير عن سالم بن أبي الجعد عن عطية مولى بني عامر عن يزيد بن بشر قال: أتيت ابن عمر فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله بن عمر ما لك تحجّ و تعتمر و قد تركت الغزو؟ قال: ويلك! إن الإيمان بني على خمس تعبد الله تعالى، و تقيم الصلاة و تؤتي الزكاة، و تحجّ البيت، و تصوم رمضان. كذلك حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم. و قد اشترط الله تعالى للإيمان العمل الصالح، و نفي النفع بالإيمان إلّا بوجود العمل، كما شرط للإيمان الإسلام فقال تعالى: إِلَّا من تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: ٧٠]. إجماع من أهل التفسير، إلّا من تاب من الشرك كقوله تعالى: فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة: ٥]. بعد قوله و خذوهم و احصروهم. و قال سبحانه و تعالى: وَ ما أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا من آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً [سبأ: ٣٧]. و قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٣]. كما قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَ كانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف: ٦٩]. فاشترط للإيمان الأعمال و التقوى، كما اشترط للأعمال الصالحة الإيمان. فكما لو عمل العبد بالصالحات كلها لم تنفعه إلّا بالإيمان، كذلك لو آمن من الإيمان كله لم ينفعه إلّا بالأعمال. و في وصية لقمان لابنه: يا بني كما لا يصلح الزرع إلّا بالماء و التراب فكذلك لا يصلح الإيمان إلّا بالعمل و العلم. فأما تفرقة النبي صلى الله عليه و سلم في حديث جبريل عليه السلام لما سأله ما الإيمان؟ فقال: أن تؤمن باللَّه و ملائكته و كتبه و رسله بالبعث بعد الموت و بالحساب و بالقدر خيره و شره، ثم قال: ما الإسلام؟ فذكر الخصال الخمس، فإن ذلك