قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٣٧ - الفصل الثالث و الثلاثون في ذكر دعائم الإسلام الخمس التي بني عليها
الفصل الثالث و الثلاثون في ذكر دعائم الإسلام الخمس التي بني عليها أول ذكر فرض شهادة التوحيد للمؤمنين، و وصف فضائلها و هي شهادة المقربين و شهادة الرسول صلى الله عليه و سلم و فضلها للموقنين. قال الله تعالى و صدقت أنبياؤه لرسوله صلى الله عليه و سلم فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الله وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: ١٩]. و قال لعباده يأمرهم بمثل ذلك: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ الله وَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [هود: ١٤]، ففرض التوحيد هو اعتقاد القلب أنّ الله تعالى واحد لا من عدد، و أول لا ثاني له، موجود لا شكّ فيه و حاضر لا يغيب، و عالم لا يجهل قادر لا يعجز، حي لا يموت قيوم لا يغفل، حليم لا يسفه سميع بصير، ملك لا يزول ملكه قديم بغير وقت، آخر بغير حد كائن لم يزل و لا تزال الكينونة صفته لم يحدثها لنفسه، دائم أبد الأبد لا نهاية لدوامه، و الديمومة وصفه غير محدثها لنفسه، لا بداية لكونه و لا أولية لقدمه و لا غاية لأبديته، آخر في أوليته أول في آخريته. و إنّ أسماءه و صفاته و أنواره غير مخلوقة له و لا منفصلة عنه، و إنه إمام كل شيء، و وراء كل شيء، و فوق كل شيء و مع كل شيء، و أقرب إلى كل شيء من نفس الشيء، و إنه مع ذلك غير محل للأشياء، و إن الأشياء ليست محلا له، و إنه على العرش استوى كيف شاء بلا تكييف و لا تشبيه، و إنه بكل شيء عليم و على كل شيء قدير و بكل شيء محيط، الجو وجه و الفضاء من ورائه، و الهواء وجه و المكان من ورائه، و الحول وجه و البعد من ورائه. و هذه كلها حجب مخلوقات من وراء الأرضين و السموات متصلات بالأجرام اللطاف و منفصلات عن الأجسام الكثاف، و هي أماكن لما شاء داخلة في قوله و من كل شيء خلقنا زوجين داخلة في قوله صلى الله عليه و سلم: ربنا لك الحمد ملء السموات و ملء الأرض، و ملء ما شئت من شيء بعد. و الله جلّ و عظم شأنه هو ذات منفرد بنفسه، متوحد بأوصافه لا يمتزج و لا يزدوج إلى شيء، بائن من جميع خلقه لا يحل الأجسام و لا تحله الأعراض، ليس في ذاته سواه و لا في سواه من ذاته شيء، ليس في الخلق إلا الخلق و لا في الذات إلا الخالق. فتبارك الله أحسن الخالقين، و إنه تعالى ذو أسماء و صفات و قدرة و عظمة و كلام و مشيئة و أنوار، كلها غير مخلوقة و لا محدثة، بل لم يزل قائما موجودا بجميع أسمائه و صفاته و كلامه